حيفا
قضاء:  حيفا
عدد السكان عام 1948:  72850
مستوطنات أقيمت على أراضي البلدة قبل 1948:  لا يوجد
مستوطنات أقيمت على مسطّح البلدة بعد 1948:  حيفا (أصبحت مدينة يهودية تسكنها أقلية فلسطينية)
مستوطنات أقيمت على أراضي البلدة بعد 1948:  لا يوجد

الاسم "حيفا" ليس حديثًا. كما أن المدينة ليست حديثة. فبالرغم من أن أصل الاسم غير واضح، إلا أن البعض بذل جهده في التعريف به. وكانت اجتهادات الباحثين والمهتمين مثيرة للاهتمام حتى أن مجموع الباحثين والمهتمين قد تجاوز عدة عشرات في طرحهم لأصول الاسم والمعاني التي يحملها.

فالكلمة "حيفا" عربية الأصل من "الحيفة"/ بمعنى "الناحية" و "حف" بمعنى الشاطئ.

ومن الباحثين من يجتهد معنى آخر وهو "خفى" أي المدينة المخفية أو الخافية. وورد ذكرها في التلمود "حيفا" و "حيفه".
وقام عدد من الباحثين في أصول اللغات، وخاصة الآرامية، بالإشارة إلى أن الاسم مركب من "حي+فيع". و "فيع" يقابله بالعربية "الفيض" فالعين في الآرامية هي "ض" بالعربية. ويكون معنى الاسم "حيّ"، أي المكان الذي تكثر فيه الخيرات وتفيض المياه بوفرة.
ومن المحتمل أن يكون اللفظ من جذر "يفع" ومعناه الجميل والبهي واللامع المُشرق. وقد يكون قد مر في عملية تحريف "فيح" أي: ذات الهواء والنسيم العليل. ومنهم من يسندها إلى "حوفا" بمعنى الساحل.

أما الصليبيون فأسموها "خيفاس" أو "كايفاس" أو "كايفا". وبقي الاسم مستعملاً فترة طويلة. وهو باليونانية "كايفا". ويعتقد باحثون في التاريخ المسيحي للأرض المقدسة أن الاسم منسوب إلى القديس بطرس الملقب والمعروف بـ"كيفا" أي صخرة بالآرامية.

وفي القرن الرابع الميلادي عُرفت المدينة باسم "إيفا" EFA وهي المدينة القديمة، التي كانت واقعة عند موقع تل السمك إلى الجنوب الغربي من حيفا الحالية.

أما الاسم "سيكامينون" أو "سيكامينوس" ومنه "شيقمونه" أو بالعكس، ويعني "الجميز" واشتهرت المدينة به لكثرة انتشار شجر الجميز فيها. وشجر الجميز هو من أنواع التين، وما تزال بعض أشجاره منتشرة في حارات المدينة، وعلى الأخص في شارع الأنبياء بالقرب من مكتب البريد المركزي لحي الهادار. وكثر شجر  الجميز في القديم في موقعي المدينة القديمين وهما "تل السمك" و "تل أبو هوام" الواقع إلى الجهة الشرقية للمدينة الحالية بالقرب من منطقة معامل تكرير البترول.

وعرفت أيضا باسم "قصر" وهي تحريف للاسم "كاسترا". ويعتقد بعض المؤرخين أن الاسم في أصله من "قسطل حيفا" أي حصن وقلعة حيفا. وتم في مطلع القرن الحادي والعشرين الكشف عن المنطقة  إلى الجنوب الغربي لحيفا، حيث عثر فيها على آثار بيزنطية وفي مقدمتها كنيسة وأرضية من الفيسفساء.

موقعها الجغرافي

مدينة حيفا ساحلية. تقع في الطرف الشمالي للسهل الساحلي الفلسطيني. وتلتقي المدينة بالبحر الأبيض المتوسط عند طرف الكرمل والسهل إلى الجهة الجنوبية الغربية. فالبحر ساهم في بناء ميناء فيها وفتح بابها إلى العالم الخارجي. والسهل منحها مكانة زراعية جيدة في سابق العهود، وحباها الله بجبل الكرمل ذي المنظر الخلاب الرائع.

وتعتبر حيفا بوابة فلسطين البحرية. وربطت هذه المدينة معظم المدن الداخلية في فلسطين وخارجها بفضل موقعها الجغرافي.
تمتد حيفا الحالية من المستوطنات اليهودية في الطرف الشمالي، وحتى مشارف بلدة طيرة الكرمل إلى الجنوب. ومن رأس الكرمل(عند التقاء الجبل بالبحر بالقرب من مقام الخضر) حتى مشارف عسفيا عند الطرف الجنوبي الشرقي.

وتحيط بحيفا عدة قرى عربية  ومستوطنات يهودية. ومن القرى العربية التي كانت قائمة حتى عام 1948: طيرة الكرمل، جبع، اجزم، عين غزال، أم الزينات، المنسي، كفر لام، الطنطورة، الياجور، بلد الشيخ...

حيفا في الفترة العثمانية

بقيت حيفا قرية خربة في معظمها يسكنها عدد قليل من السكان حتى الاحتلال العثماني لفلسطين في عام 1516م. وبدأت تشهد انتعاشا ملحوظًا في القرن السادس عشر، إلا أن ذلك لم يعدها إلى سابق عهدها.

ولما وقعت تحت سيطرة الشيخ ظاهر العمر أمر بهدم "حيفا العتيقة"  في عام 1761 وبناء "حيفا الجديدة". وأحاطها بسور من ثلاث جها وشيد ميناء فيها. وتقع "حيفا الجديدة" بين ساحة الحناطير (الخمرة) غربا والجامع الصغير شرقا، وبين شارع البرج(ستانتون) جنوبا وشاطئ البحر شمالاً عند طرف جامع النصر ـ الجرينة.

وكان للمدينة بوابتان: الأولى بوابة عكا أو البوابة الشرقية ومنها الانطلاق إلى عكا والجهات الشرقية، وبوابة يافا أو البوابة الغربية ومنها الانطلاق إلى يافا والجهات الجنوبية من فلسطين، خاصة الساحلية. وشيد خارج السور الجنوبي عند منحدرات تلة حديقة البلدية(حاليا) برجا حمل اسم "برج السلام". ومد طريقا من بوابة يافا إلى موقع البرج، عرفت لاحقا بطريق البرج. وأقام قريبا من الميناء دار الحكم على شكل برج محصن(والتي عُرفت بـ "السرايا" ، يقف مكانها مبنى الصاروخ). وكان موظفو السرايا يجبون الجمارك وضرائب أخرى من السفن القادمة والحجاج الوافدين إلى فلسطين لزيارة الأماكن المقدسة في الناصرة والقدس وبيت لحم. 

وشجع ظاهر العمر عشرات العائلات السورية بالقدوم إلى حيفا للعيش فيها ولتطويرها. وشهدت المدينة انتعاشًا وازدهارًا في عهده في مجالات العمران والاقتصاد والحياة الاجتماعية.

ووقعت المدينة بيد القائد الفرنسي نابوليون بونابرت في 1799م عندما كانت متجهًا بطريقه لاحتلال عكا والقضاء على واليها أحمد باشا الجزار. لم يقاوم سكان حيفا القائد الفرنسي، إنما فتحوا بيوتهم للجنود خوفًا على أنفسهم وأرزاقهم. واتخذ نابليون من دير مار الياس على قمة الكرمل مقرًّا له ولجنوده تمهيدًا للزحف على عكا. واستخدم الدير مشفى لجنوده أثناء القتال. إلا أنه لما فشل في اقتحام أسوار عكا تركها متجهًا إلى حيفا التي غادرها تاركًا ورائه جنودًا جرحى ومرضى. وهؤلاء حاولوا اللحاق به إلا أنهم لاقوا حتفهم. وقام رهبان الدير فيما بعد بجمع رفاتهم ودفنوها في قبر أخوة على شكل هرم صغير عند مدخل الدير.

ووقعت البلاد تحت الاحتلال المصري في عام 1831 عندما زحف جيش ابراهيم بن محمد علي باشا نحو عكا. اتخذ ابراهيم باشا مدينة حيفا وجوارها معسكرًا لجنوده ودير مار الياس مقرًّا لقيادته يشرف منه على عكا وسائر مناطق الجليل وشمالي فلسطين.

وتميّزت فترة حكم ابراهيم باشا بالانفتاح أُسوة بفترة الشيخ ظاهر، فشهدت المدينة نموًّا وتطورًا ملحوظًا، وخاصة أن دير مار الياس الكرملي أصبح مَعلمًا مركزيًا من معالم المدينة والمنطقة. وارتفع عدد سكان المدينة جرّاء هجرة عشرات العائلات من الداخل السوري ومن مصر أيضًا.

وعمل الانجليز على إخراج جيوش ابراهيم باشا من البلاد السورية، بما فيها من عكا وحيفا. أما عكا فتعرضت إلى قصف مدفعي مكثف من الأسطول الانجليزي أدى إلى تدمير قسم كبير من منشآتها العمرانية.

بعد أن انسحب الجيش المصري وكذلك الاسطول الانجليزي أُعيدت حيفا وغيرها من المدن الفلسطينية والسورية إلى سيطرة السلطان العثماني. وبدأت حيفا تشهد مسلسلاً من التطور والنمو، وذلك جراء هبوط وتراجع مكانة عكا، فانتقل عدد من قناصل الدول الاوروبية إلى حيفا واتخذوها مقرًّا لهم. وساهمت الحكومة الروسية في بناء ميناء جديد في حيفا إلى الشرق قليلاً من موقع حيفا الجديدة بغية تسهيل نزول الحجاج الروس في طريقهم نحو القدس وبيت لحم.

أما الدولة العثمانية فساهمت بدورها في تطوير حيفا حيث جُعلت بلدية في عام 1875، ثم مركزًا لقضاء يحمل اسمها "قضاء حيفا". وأخذت تزداد حركة العمران فيها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولم تعد أحياء المدينة تكفي لسكن وعيش أهاليها، فاضطر الأهالي إلى اجتياز الأسوار وبناء بيوتهم ومصالحهم خارج الأسوار باتجاهين: الأول غربًا نحو حي الزيتون ووادي النسناس، والثاني شرقًا نحو حي وادي الصليب وأرض البلان وحارة اليهود ووادي روشميا والحليصا.

واتخذت الجماعة التمبلرية (الهيكلية) من حيفا انطلاقة لنشاطها الاستعماري في فلسطين. فبنوا لهم حيًّا في الجهة الغربية من حيفا يعرف إلى يومنا هذا بـ "الكولونية الالمانية". وكان ذلك في سنة 1869م. ونظم الالمان حيهم بطريقة حديثة ووفروا لأنفسهم كل الاحتياجات اللازمة وأشرفوا على إدارة شؤون حياتهم دون الحاجة إلى السكان الاصليين. وهم بهذا شكلوا نظاما استعماريا كاملا. وحظيوا بزيارة القيصر الألماني فيلهلم الثاني وزوجته في عام 1898م، مما قوى وجودهم ومنحهم مكانة مرموقة في أوساط الدوائر الحكومية العثمانية.   

واهتم أهالي حيفا ببناء مؤسساتهم كالكنائس والمساجد والأديرة والمدارس مع تمدد المدينة وتوسعها. ونشطت الحركة التجارية داخل المدينة وبينها وبين المدن والقرى المجاورة والقريبة منها.

ولما مدّت الدولة العثمانية الخط الحديدي الحجازي من دمشق إلى المدينة المنورة قررت ربطه بالساحل الفلسطيني عند مدينة حيفا بخط فرعي من مدينة درعا طوله 161 كم، وكان ذلك في عام 1905. وسرّع الخط الحديدي في نقل حيفا إلى مرحلة متقدمة من التطور والازدهار والنمو العمراني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإداري.

وشهدت حيفا هجرة صهيونية في مطلع القرن العشرين. حيث استقرت مجموعة من المستعمرين الصهيونيين منطقة المفخرة عند سفوح الكرمل، وأطلقوا على الحي الذي أقاموه "حي هرتسليا" تيمنًا بمؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتسل. ثم أقاموا لهم حي الهادار. عِلمًا أن جاليات يهودية سكنت في حيفا داخل الحي الشرقي وكان لهم كُنُس ومؤسسات وعاشوا بين سكان المدينة عيشة عادية. أما المستعمرون الصهيونيين ففضلوا العيش منفصلين عن نسيج المجتمع الحيفاوي لتنفيذ مشروعهم الاستعماري في السيطرة على حيفا.
  وارتفع عدد سكان المدينة من 1200 نسمة في عام 1841م إلى ما يقارب عشرين ألفًا في عام 1914م. 

حيفا في عهد الانتداب البريطاني

احتل الانجليز مدينة حيفا في العام 1918 ووضعوا نهاية للحكم العثماني الذي دام زهاء أربعة قرون. وعرفت حيفا في فترة الانتداب البريطاني نشاطًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا عكس بُنية المجتمع الحيفاوي.

ميزة المجتمع الحيفاوي
فهذا المجتمع لم يكن مجتمعًا عائليًا أو حمائليًا كما كان سائدًا في القرى العربية الفلسطينية. كان المجتمع الحيفاوي نموذجًا لمجتمع عربي مديني منفتح، أساسه الانتماء الوطني والقومي، دون التقليل من أهمية احتفاظ فلسطينيي حيفا على انتمائهم إلى قراهم الأصلية.

الحركة العمرانية والتجدُّد
وشهدت حيفا اتساعًا في أحيائها السكنية، وكذلك تنويعًا في الطراز العمراني المتأثر بالشرقي والغربي الاوروبي على وجه التحديد. ولم يغفل أهل المدينة العرب من وجود اليهود الذين شكلوا قوة منافسة لهم، بل قوة صاعدة تدريجيًا في بسط سيطرتها على مرافق المدينة الحيوية، خاصة الاقتصادية منها والتي لها تأثير بالغ الأهمية في بلورة مستقبل المدينة. واستفاد العرب أهالي حيفا الأصليين والأهالي الوافدين إليها من مناطق فلسطينية أخرى، من التحولات الاقتصادية الحاصلة في المدينة في فترة الانتداب البريطاني.

• مشاهد من الحياة السياسية والنشاط الوطني
وشهدت حيفا نشاطًا سياسيًّا متميزا من خلال انعقاد مؤتمرات فلسطينية للنظر في قضايا الساعة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وطرق مواجهة الخطر الصهيوني. وبدأت تتبلور في حيفا حركة الكفاح المسلح الفلسطينية ضد الانجليز، ووضع أسسها الشيخ الشهيد عز الدين القسام إمام وخطيب جامع الاستقلال الذي رأى أنه بات من الضروري تغيير طرق التصدي للانجليز. وجمع حوله مجموعة من الشباب وانطلق للعمل النضالي، إلا أنه سقط شهيدًا في معركة أحراش يعبد بعد أن كشف سرّه رجال المخابرات. كما أن الحركة لوطنية الفلسطينية حظيت بشخصية بارزة مُدافعة بقوة عن الحقوق الفلسطينية، وهذه الشخصية: المطران غريغوريوس حجّار الذي عبّر عن الرباط الأخوي المتين بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين في شهادته أمام  اللجنة الملكية البريطانية(وتُعرف بـ "لجنة بيل").

مشاهد من الحياة الفكرية
ونشطت الحياة الفكرية في حيفا في فترة الانتداب البريطاني، خاصة وأن حيفا استقطبت أعدادًا كبيرة من الأدباء والشعراء والصحافيين والمعلمين والفنانين الكبار. وجراء الظروف الاجتماعية المتعددة والمتنوعة التي أثرت حياة المدينة توافد إليها شعراء كبار أمثال شاعر القطرين خليل مطران الذي قدّم أُمسيات شعرية متميزة حضرها المئات من الشعراء الفلسطينيين ومن محبي الشعر والمستمتعين بالاستماع إليه. واستضاف النادي الارثوذكسي العربي الحيفاوي أحد كبار الشعراء العرب  في ناديه في شارع الراهبات ألا وهو الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري. وتميّز هذا النادي بنشاط أعضاءه المتميزين، من أبرزها مهرجان ألفية الشاعر العربي الكبير بل الفيلسوف المتميز أبو العلاء المعري، حيث أقاموا لذكراه الأمسيات وطالبوا هيئة البلدية إطلاق اسمه على احد شوارع المدينة، وبالفعل ما زال احد شوارع حي البلدة التحتا يحمل الاسم ذاته إلى يومنا هذا.

الأندية ونشاطاتها
ونشطت في حيفا زمن الانتداب البريطاني مجموعة من النوادي المحلية أو فروع لنواد عربية منتشرة في فلسطين أو البلاد العربية، ومنها: النادي الكاثوليكي العربي والنادي اللاتيني وجمعية الشبان المسلمين ونادي أنصار الفضيلة والجمعية الإسلامية والجمعية المسيحية وجمعية تهذيب الفتاة وجمعية النهضة الاقتصادية العربية، إضافة إلى عشرات الجمعيات التي كونتها جاليات القرى والمدن المهاجرة إلى حيفا مثل جمعية أهالي قرية بُرقة بالقرب من نابلس، أو جمعية أهالي غزة لكون أعدادًا من الغزاوية عملوا في مرافق حيفا الاقتصادية. أما العائلات الكبيرة التي وفدت إلى حيفا حاولت أن تحافظ على الروابط العائلية بإقامة جمعيات وروابط عائلية لها مثل رابطة آل هاشول الجشيّة ورابطة آل حداد التي أسسها المثقف المُبدع منير ابراهيم حداد وضمّت في صفوفها كافة العائلات العربية التي حملت اسم حداد بغض النظر عن وجود قرابة بينها أم لا، وكذلك عائلة خطيب في حيفا ذات الجذور الضاربة في عمق التاريخ.

وتنافست هذه النوادي والجمعيات فيمن يقدم الخدمات الاجتماعية والثقافية المركزية للمنتسبين إليها لرفع مستوى الحياة والثقافة والتعامل الاجتماعي فيما بين أفراد المجتمع المتعدد والذي تجمعه مدينة واحدة هي حيفا.

تكونت في حيفا مجموعة من الأندية الرياضية إلى جانب الفكرية والاجتماعية، حيث اهتمت هذه النوادي بتطوير مرافق رياضية مختلفة، من أهمها كرة القدم وكرة السلة وكرة المضرب(التنس) والسباحة والملاكمة والمصارعة الحُرّة، ومن ابرز هذه الأندية: "نادي شباب العرب" و "النادي الاسلامي" و "النادي الارثوذكسي" و "النادي الكاثوليكي" و "نادي الترسانة" وغيرها من النوادي. وبرز من بين اللاعبين الكبار ايزيدور برامكي وجبرا زرقا وصبحي الزهر.  أما الفريق الذي نال بطولة نوادي فلسطين في كرة السلة فكان "نادي مدرسة السالزيان". واستضافت حيفا مبارزات الملاكمة لبطولة فلسطين وزحفت الجماهير الغفيرة من حيفا والقرى المحيطة بها لمشاهدة هذه المبارزات التي كان في مقدمة أبطالها أديب الدسوقي وسنحاريب صليبا، اللذين سافرا إلى القاهرة والاسكندرية ولبنان وسوريا لتقديم مباريات متميزة.

الصحافة في حيفا
أما الصحافة فكان لها نصيب وافر في حيفا، وخاصة منذ إعلان الانقلاب العثماني في العام 1908 في استنبول وإلزام السلطان العثماني بمنح المزيد من الحريات. فتأسست مجلات وصحف، من أهمها مجلة "النفائس العصرية" لخليل بيدس والذي نقلها لاحقًا إلى القدس. أما الصحيفة المشهورة والتي شدت الناس إلى قراءتها كانت جريدة "الكرمل" لصاحبها نجيب نصار الذي لُقِبّ بحق "شيخ الصحافيين الفلسطينيين". وساهم متري الحلاج في تأسيس جريدة "جراب الكردي" ثم ايليا زكا في جريدته "النفير" التي نافست الكرمل، إلا أن مواقفها كانت أكثر ميلاً إلى التعاطف مع التوجهات والأماني اليهودية. أما نصار فكان وبالا على الصهيونية وهو أول من نبّه ولفت نظر العرب والفلسطينيين خاصة إلى مخاطر الحركة الصهيونية في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبالتالي إلى تهجير الفلسطينيين عنها.
وجذبت الصحافة في حيفا مزيدًا من المهتمين بها، إضافة إلى ما أوردناه أعلاه. فبرز في فترة الانتداب البريطاني جميل البحري صاحب مجلتي "الزهرة" و "الزهور"ن وشاركه في تحريرها شقيقه حنّا البحري. ودأبت هاتين المجلتين على نقل روايات ومسرحيات وخواطر عن الفرنسية والانجليزية، إضافة إلى نقل أخبار النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية ومواد أدبية متنوعة. وكذلك جريدة "المهماز" لصاحبها منير حداد، ثم جريدة "الاتحاد" لمؤسسها ومحررها الأول اميل توما وما تزال تصدر إلى اليوم، وهي لسان حال الحزب الشيوعي.

وكان نصيب حيفا من الصحف الوافدة إليها كبيرًا، من صحف فلسطينية من يافا ومن القدس ومن العالم العربي، من القاهرة وبيروت ودمشق. بمعنى آخر استهلك الحيفاويون قرابة 30% من مجموع الصحف التي كانت تصدر فيها وفي سواها من المدن الفلسطينية والعربية.

مشاهد من الحياة المسرحية
كما شهدت حيفا ضمن مسيرة نهضتها الفكرية والثقافية مشاهد كبيرة من الأعمال المسرحية، التي ساهم فيها كبار ممثلي المسرح الفلسطيني في حيفا ويافا، واستضافت حيفا عميد المسرح العربي يوسف وهبي وفرقته رمسيس القادمة من القاهرة. وكذلك أدّت الفرق الموسيقية العربية المصرية عروضًا غنائية ومسرحية مغناة على خشبات مسرح عين دور ومتنزه الانشراح وغيرها، كان أبرزها حفلات الموسيقار فريد الأطرش وشقيقته أسمهان. وكان لحيفا فرقة مسرحية وطنية باسم "فرقة الكرمل التمثيلية" بإدارة اسكندر أيوب بدران. وكان لهذه الفرقة مساهمة جليلة في رفع شأن الأعمال المسرحية واستقطاب جمهور غفير من المشاهدين والمؤازرين.

المرافق الصناعية والحركة العمالية
وأُنشئت في حيفا مجمعات صناعية كبيرة، أبرزها معامل تكرير البترول والمصانع الكيماوية والصناعات الفولاذية وصناعات الأغذية والاحتياجات المنزلية. وجذبت هذه المرافق إضافة إلى منشأة الميناء والسكة الحديد الآلاف من العمال من مختلف أنحاء فلسطين ومن البلاد العربية المجاورة كلبنان ومصر وسوريا وشرقي الأردن. فازداد عدد السكان، وبالتالي اتسعت مناطق العمران في المدينة، واحتاج المجتمع المتكون فيها إلى مرافق خدمية كالمدارس والمستشفيات والمحلات التجارية والمسارح وغيرها، وهذه كُلّها لعبت دورًا مركزيًا في صياغة شكل ومضمون حياة المجتمع الفلسطيني الحيفاوي. واحتاج العمال إلى جمعيات عمالية تدافع عنهم وتصون حقوقهم، فتأسست جمعية العمال العربية الفلسطينية التي ترأسها النقابي الشهيد سامي طه. وانضوى تحت سقف هذه الجمعية عمال القطاعات العمالية الكبرى كمصلحة السكك الحديدية ومنشأة الميناء ومعامل تكرير البترول التي كانت تديرها شركة البترول العراقية، وغيرها من القطاعات العمالية.

المعالم الدينية في حيفا

تتميز حيفا بكونها تحتضن عددًا كبيرًا من المعالم الدينية لمختلف الطوائف والمذاهب. فالمساجد المنتشرة في المدينة هي:

1. مسجد النصر الكبير ويُعرف أيضًا بجامع الجرينة، وهو قائم في الجهة الشرقية من المدينة وكان يخدم رواد الحسبة، وبني في مدخله برج الساعة تكريما لذكرى جلوس السلطان عبد الحميد الثاني على عرش السلطنة العثمانية.
2. المسجد الصغير، وقد شيده الشيخ ظاهر العمر الزيداني. ويقع في الطرف الشرقي للمدينة القديمة داخل الاسوار.
3. مسجد الاستقلال، وبني في عام 1925. وكان من أوائل خطبائه الشيخ الشهيد عز الدين القسّام. ويقع خارج اسوار حيفا التي بناها الشيخ ظاهر.
4. جامع الحاج عبدالله أبو يونس. شيد في الثلاثينيات من القرن الماضي على نفقة حامل اسمه. والجامع في حي الحليصا.
5. مسجد سيدنا محمود للجماعة الأحمدية في الكبابير في أعلى جبل الكرمل. 
6. مقام الخضر، وهو موجود عند مدخل حيفا الجنوبي.
أما كنائس وأديرة حيفا فهي:
1. كنيسة السيدة للروم الكاثوليك في حيفا داخل الاسوار، وشيدت في عام 1862.
2. كنيسة مار الياس للروم الارثوذكس بالقرب من الكنيسة السابقة، وشيدت في منتصف القرن التاسع عشر.
3. كنيسة مريم العذراء لللاتين، وتقع في طرف ساحة الحناطير.
4. كنيسة مار لويس المارونية، وشيدت في نهاية القرن التاسع عشر وتقع خارج الاسوار بالقرب من ساحة الحناطير، جهتها الغربية.
5. كنيسة مار الياس للروم الكاثوليك في شارع عين دور.
6. كنيسة مار يوحنا الانجيلي في شارع مار يوحنا في حي وادي النسناس.
7. كنيسة القديس لوقا في شارع مار لوقا.
8. كنيسة مار يوسف للاتين.
9. كنيسة الملاك جبرائيل في حي محطة الكرمل. 
10. كنيسة القديس غريغوريوس في حي وادي الجمال عند الشاطئ الأزرق.
11. أديرة: مار الياس(ستيلا مارس)، راهبات الناصرة في شارع عباس، قلب يسوع(راهبات المحبة) في شارع اللنبي، راهبات الوردية في شارع يافا، راهبات القديسة حنة في شارع المستشفى(ماير)، الراهبات الكرمليات (شارع الطليان ودير آخر في شارع شارنيحوفسكي).

وللطائفة البهائية معبد عباس عند سفوح جبل الكرمل قبالة حيفا، ومن حواليه الجنائن المعلقة. واتخذت هذه الطائفة مدينة حيفا مقرًا عالميا لها. ولليهود عدد من الكنس موزعة في الحارات اليهودية.

حيفا خلال الحرب العالمية الثانية

ما أن اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية حتى ارتفعت مكانة حيفا كموقع استراتيجي في المنظومة الحربية للقوات المسلحة البريطانية في قطاع العمليات الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وازدادت أهمية ومكانة حيفا بعد وقوع فرنسا بيد الجيش الالماني وإقامته حكومة فيشي الموالية له. واستولت هذه الحكومة على سوريا ولبنان بحكم كونهما بلدين واقعين تحت الانتداب الفرنسي. ولما تمكنت الجيش الايطالية بمساندة الجيش الالماني من دحر الانجليز شمالي مصر، واتخذ الكولونيل مونتغومري مدينة حيفا مقرًّا للجيش الانجليزي. وشوهدت مئات السفن والبوارج الحربية التابعة للاسطول الانجليزي في ميناء حيفا. أما دول المحور وخاصة المانيا وايطاليا فرأت في حيفا موقعا استراتيجيا لتسديد ضربات على اهم مرافقها الصناعية وذات الحساسية الكبرى كمعامل تكرير البترول والميناء والمنشآت الصناعية. وتولى الطيران الايطالي قصف المدينة اربع مرات والباقي قام به سلاح الطيران الالماني. وأوقع القصف عشرات القتلى والحق دمارا في عدد من المرافق.

وقامت طائرات المانية وايطاليا بالتحليق عاليا فوق حيفا أو على بعد ما عن مدفعية الانجليز بهدف التقاط صور جوية للمرافق المركزية، لنقلها إلى غواصة ايطالية لتقوم بالتوجه إلى ميناء حيفا إلا ان الاسطول الانجليزي أغرقها قبل أن تصل إلى المياه الاقليمية لفلسطين.
ولما حقق الانجليز نصرهم في معركة العلمين وتقهقر الجيشان الايطالي والالماني، عادت حيفا إلى حالتها العادية متخلصة من خطر دول المحور.

وشهدت المدينة خلال هذه الحرب انتعاشا اقتصاديا كبيرا إذ توفرت أماكن العمل بكثرة جراء حالة الحرب، مما ساهم في تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان، وأيضا ازداد عدد العائلات المهاجرة إلى المدينة من قرى ومدن الجليل ولبنان وسوريا وشرقي الأردن طلبًا للعمل والارتزاق.  

اما المجتمع اليهودي فقد شهد زيادة في عدد افراده جراء ازدياد حركة الهجرة من اوروبا، وخاصة من البلاد التي وقعت تحت حكم النازيين. وكذلك شهد المجتمع اليهودي تحسنا في حالته الاقتصادية والاجتماعية بفضل الاستثمارات التي وجهها متمولين منهم هاجروا مع ثرواتهم من اوروبا واتخذوا حيفا مسكنًا لهم. مقابل ذلك، عملت المؤسسات الصهيونية في المدينة على تمكين نفسها، وفي مقدمتها منظمة الهاغاناه العسكرية التي قامت بتجنيد الآلاف من الشباب اليهودي وتدريبهم في احراش الكرمل تمهيدًا لاحتلال المدينة وطرد سكانها الأصليين العرب الفلسطينيين.

نكبة حيفا عام 1948

ما أن صدر قرار التقسيم رقم 181 عن الأمم المتحدة حتى باشرت المنظمات العسكرية اليهودية في التحرك لاحتلال حيفا. وحيفا وفقا لهذا القرار الجائر وقعت في حدود الدولة اليهودية. وكان هذا كافيا للمنظمات العسكرية اليهودية لتهب وتقاتل من اجل فرض سيطرتها على حيفا وسواها من مدائن فلسطين.

ونفذت المنظمات العسكرية اليهودية مسلسلا من العمليات الارهابية في الأحياء العربية، وقتل عشرات من الفلسطينيين الأبرياء جراء هذه العمليات، ولم يحرك الانجليز ساكنا، ولم يوفروا حماية للمواطنين. وازدادت حالة الفوضى التي خلقها اليهود وانتجوها بغية احتلال حيفا وتحويلها إلى مدينة يهودية.

وشرعت قوات من المنظمات العسكرية اليهودية بقصف متواصل لأحياء حيفا العربية مستخدمة أنواعا كثيرة من الاسلحة، بما فيها اسلحة كيماوية وقنابل ضخمة. ودب الرعب والخوف في قلوب مئات من العائلات العربية مما حدا بها إلى النزوح عن حيفا ريثما تهدا الحال. وسعت قيادات حيفا إلى تشكيل قيادة ميدانية تنظم عملية الدفاع عن المدينة، ولكن لم تتوفر لها الأموال ولا السلاح، وكان عدد المقاومين والمناضلين قليلا مقارنة مع اليهود. وحاولت القيادة العربية الحيفاوية الحصول على السلاح من سوريا ولبنان، إلا أن كمينا يهوديا نصب في طريق القافلة المحملة بالسلاح عند قريات موتسكين ففجر قائدها حمد الحنيطي نفسه ورفاقه كي لا تقع بيد اليهود. ولما بلغت اخبار التفجير مسامع الأهالي هرع كثيرون غلى الميناء وإلى الجهات الشرقية طلبا للحماية.  

وجرى تنسيق دقيق بين قائد الشمال البريطاني الجنرال ستوكويل وقيادات الهاغاناه لتسليم المواقع الحساسة التي كانت تحت إمرته إلى قيادة الهاغاناه، استنادًا إلى قرار حكومة لندن بإنهاء الانتداب البريطاني وتحويل القضية الفلسطينية إلى أروقة الأمم المتحدة.. وهكذا أهدى الانجليز إلى المنظمات العسكرية اليهودية مجانا أهم المواقع في حيفا. ثم اخلى الانجليز قواعدهم ومعسكراتهم في حيفا، والتي استولى عليها اليهود للحال.

ووضعت قيادة الهاغاناه خطة دقيقة محكمة للسيطرة على المدينة أطلقوا عليها اسم "مسبرايم"(المقص)، ومضمونها: انقضاض فرق من الهاغاناه من منطقة الهادار باتجاه حي وادي النسناس والبلد التحتا بعد تصفية مقر المقاومين في قصر آل الخورين وفرقة تتجه نحو بيت النجادة في حي الحليصا. وفي 23 نيسان 1948 سقطت حيفا بيد اليهود. وللتو باشرت الهاغاناه بتنفيذ الخطة الثانية باسم "بيعور حميتس" أي "تطهير الفصح". حيث تم تمشيط كافة الأحياء العربية في حيفا وطرد سكانها باتجاه الميناء او البوابة الشرقية خلف جامع الاستقلال، تمهيدا لطردهم خارج فلسطين.

وهكذا تم تطهير المدينة عرقيا من سكانها الأصليين. ومن بقي منهم (ثلاثة آلاف من أصل سبعين الف عربي)، تم تجميعهم في حي وادي النسناس وفرض عليهم حكم عسكري كأنهم اعداء. ولم ينتهي هذا الحكم إلا بعد مرور سنتين تقريبا.

----------------

المصدر: د. جوني منصور. "حيفا" اسم يناجي القمر ويخاطب البحر. 2011


 

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية