عودة إلى لفتا
جولة تعليمية لكشف الحقيقة عن قرية لفتا
08/2021

هذه ليست المرّة الأولى التي تعلن فيها السلطات الإسرائيلية عن نيّتها هدم بيوت لفتا المحيطة بعين لفتا الشهيرة في "جذر البلد" كما يسميها أهلها، الواقعة على مدخل القدس. في كلّ مرّة نجت لفتا، لأسباب مختلفة، من خطط المحو النهائيّ. وأصبحت رمزًا للعناد والصمود. غدت أيقونة. لفتا، بمنازلها المنتشرة على سفح الجبل، صارت لوحة تحكي نكبة. وصارت لفتا شوكة ترغم عيون الكذّابين التي أرادت أن تغمض عمدًا أن تفتح غصبًا. لفتا ليست دليلًا على النكبة فحسب، بل هي درس في الإصرار والاستمرار، هي دليل للعودة. 

لفتا تشهد على انعدام ضمير المستعمر، وعلى إنكاره للجريمة رغم وضوحها. وما زالت مستمرة. جريمة بدأت بمذبحة قي مقهى صالح عيسى في لفتا الفوقى في كانون الأول من عام 1947، واستمرت بتهجير أهلها قسرًا في بداية 1948، ثمّ منع عودتهم، لتزداد الجريمة قبحًا، منعًا تامًّا ما زال ساريًا.

في 1948 قال بن غوريون فرحًا: "لفتا صارت خالية من الأغراب". ثمّ وطّنَ فيها، من يهود الشرق، حرّاسًا على هيئة مدنيّين، سكنوا بيوتًا لم يشيّدوها، أحضرهم من بعيد، لئلّا يعود الفلسطينيون أصحاب البيوت. عمل يليق بمختصّ مثله في صناعة التهجير والاستعمار، والتخطيط لتهويد المكان. 

بعد عقدين من الزمن تبدّلت أساليب الاستعمار. فقد نقلت حكومة إسرائيل عائلات المستوطنين من هناك إلى أحياء جديدة، وظلّت بيوت لفتا التحتى واقفة ومن حولها الجناين. ثمّ أعلنتها حديقة للزوّار. ظلّت المياه في عينها جارية وأشجار التين والصبر  باسقة، تطلّ على البيوت من حولها تنظر بانيها، يأتيها زوّار من كل حدب وصوب، منهم من يتحسر ومنهم من يستكشف ومنهم من لا يرى إلا الخضرة والماء والبيت الحسن متعاميًا متجاهلًا هويّة المكان.  

في ربيع 2021 افتتح في أحد بيوت لفتا فندق "لفتا بوتيك". على ارتفاع 700 متر عن سطح البحر، يشرف على منظر البيوت المهجّرة. يطلّ على مسرح الجريمة. بأسلوب استشراقيّ مألوف يسوّق الفندق نفسه على أنه صرح ضيافة بنكهة أوروبية يشرف على منظر يحبس الأنفاس. ويبيع الفندق للأزواج الشابة أرقى حفلات الأعراس في جوّ رومانسيّ. في أجنحة الفندق، تقول الدعاية، "تشعرون وكأنكم انتقلتم في ماكنة الزمن ووصلتم لزيارة المستقبل على بعد عشرات السنين". في الواقع، هذه الغرف وذاك المنظر وتلك البيوت التي أمام النازلين في الفندق كلها فلسطينية، تنقل الإنسان الطبيعي في ماكنة الزمن إلى زيارة الماضي على بعد عشرات السنين، إلى بداية النكبة. إلّا أنّ هذا الفندق والنصوص التي يكتبها عن نفسه، بدون كلمة واحدة عن لفتا الفلسطينية المهجّرة قسرًا، يقفز عن حقيقة المكان والزمان المحيطَين به، مستخفًّا بعقول الناس ومتعمّدا صياغة وعي مشوّه يخدم الهدف السياسي للمشروع الإسرائيلي، بالإضافة إلى الأرباح الماديّة. هذا خير مثال على صلافة مستعمر مستعلٍ منكر للحقيقة. 

في صيف 2021، بالتزامن مع خطط تهجير عائلات فلسطينية من الشيخ جراح وسلوان، والتهديد بهدم قرى كاملة في النقب، وملاحقة تجمعات فلسطينية في الأغوار وجنوب الخليل، والتضييق على فلسطينيي يافا واللد والجليل، أعلنت "سلطة أراضي إسرائيل" عن نيّتها نشر (مجدّد) لمناقصة بناء حيّ إسرائيلي في لفتا. إنها الخريطة رقم 6036 التي نشرت في عام 2004 ولكنها جمّدت عام 2018 بفضل نضال مدني خاضه "الائتلاف من أجل إنقاذ لفتا". يشمل المخطط نحو 260 فيلّا ووحدة سكنية، فندقًا، مركزًا تجاريًّا، متحفًا ومرافق عامّة. "جوهرة" إسكانيّة وصفوها. لفتا الأصيلة هي فعلًا جوهرة. لكن لفتا المقترحة هي مستعمرة. جوهرة مزيّفة. غايتها محو وطمس ما يرمز إلى هوية لفتا الفلسطينية. هدفها تدمير الأثر وقتل الأمل لدى لاجئي لفتا بالعودة، وفي نفس الوقت تعميق الأسرلة والتهويد.

جاء الإعلان عن المناقصة في ظلّ الاحتفاء الصهيونيّ بذكرى احتلال الجزء الشرقي من القدس في حزيران 1967، وفي المقابل، في خضمّ النضالات الفلسطينية - محليًّا وعالميًّا- ضد مخططات التهجير في القدس، فنجح الفلسطينيون في تشويش الطقوس الإسرائيليّة وأرغموا المنظمّين على إلغاء مسيرة الأعلام الاستفزازية التي كانت من المفترض أن تمرّ في وسط الأحياء الفلسطينية بين أسوار القدس. 

تعمّد مبادرو المناقصة اختيار توقيت النشر بالتزامن مع "الاحتفالات بيوم القدس"، ووصفوا خطوتهم هذه بأنها "عمل صهيونيّ مبارك ومثير للانفعال". حقًّا، إنّ الهدم والدمار، والتهجير والاستعمار هي أعمال تليق بالصهيونيّة.

تصاعدت الفعاليات التضامنيّة مع لفتا وازدادت الزيارات للقرية بعد نشر الخبر عن المناقصة. ويستعد أهالي لفتا في هذه الأيام لتجديد النضال من أجل إنقاذ ما تبقى من بلدهم. يقول يعقوب عودة، لاجئ من لفتا هجّر منها وهو ابن ثماني سنوات، وعضو في جمعية أبناء لفتا: "سنطرق كل الأبواب. ورغم أننا لا نعول على القضاء الإسرائيلي إلا أننا سنحاول من خلاله أيضًا استغلال كل ثغرة حتى نحافظ على لفتا. نريد تفاعلًا عالميًّا ومحليًّا. نريد ضغطًا دوليًّا. أنا أريد العودة إلى بيتي. هذا حقي. وهو مكفول في القوانين والأعراف الدولية. ولكن في هذه المرحلة، وأمام الخطر الفوري المحدق لمحو ما تبقى من بيتي وبلدي، فأنا أريد على الأقل أن نوقف خطة الهدم الحالية وأن نرمم ما تبقّى ليكون رمزًا وشاهدًا وذكرى وأملًا".

نحن في "ذاكرات"، قمنا خلال العقدين الأخيرين بتنظيم عشرات الفعاليات والجولات في لفتا لمجموعات ونشطاء وصحافيين/ات وباحثين/ات من جميع أنحاء العالم، وساهمنا بإيصال قضية لفتا وتاريخ النكبة الفلسطينية بطاقاتنا المتاحة على أوسع نطاق ممكن. هذه المرّة قمنا بتصوير هذا الشريط التوثيقي، كعمل رافض للوضع الحالي للفتا وكعمل مقاوم للمخطط الكارثي الساعي للمحو المطلق لمعالم البلد الفلسطينيّ. كما ويأتي هذا العمل تلبية لنداء أهالي لفتا لتصعيد النضال وتضافر الجهود المحليّة والعالميّة من أجل لفتا وحقها في الوجود، ومن أجل كشف مظالم النكبة المستمرة والمناداة بوقف جرائم الاستعمار في سبيل بناء مستقبل مبنيّ على العدالة والحقوق وعلى رأسها حق العودة للاجئين الفلسطينيين عامّة والعودة إلى لفتا.             

 

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية