أديبة مصطفى قدورة شقير
الجيش فات على البلد قبل ما تطلع الناس، وطخ تسعة من عائلتنا. في منهم أخوة اثنين، حسن وفواز شقير. واحد كان متزوج جديد وواحد خاطب جديد. هدول الاخوة أبوهم تجوّز خمسة لانه كان بده أولاد ومش بنات.
09/2009
أديبة مصطفى قدورة شقير

شهادة أديبة مصطفى قدورة شقير
تسكن اليوم في الرامة (حي الدبة)
ولدت في كفر عنان سنة 1934
اجرت المقابلة: رنين جريس

---------------------

رنين: احكي لي عن بيتك أيام كفر عنان؟
أديبة: كنت ساكنه أنا وأمي وأبوي وثلاث أخوات، وكان عندي أخ مات من الحصبة ع أيام كفر عنان. بيتنا كان من شرق البلد، كان كبير ومبلـّط، مبني على 6 قناطر من عمدان، وكل عرس أبوي كان يعزم العروس عنده عشان البيت كان يوسع البلد كلها. بيتنا كان بالضبط جنب جامع العمري، كان هناك بلاط مدوّر، وكانوا ييجو عليه رَبع السوالف ومعهم خرايط ويصيروا يلوحوا بروسهم ويوقفوا ع البلاطة ويتمتموا، ومرات يفوتوا على المغارة اللي جنب الجامع ويتمتموا فيها ويهزّوا بروسهم.

- كيف كان أهل البلد يتعاملوا معهم؟
- ولا إشي، ما حدا يحكي معهم، أنا كنت صغيرة وأتفرج عليهم.

- كنتو تشوفوا يهود غير هدول؟
- لأ، ولا حدا، الإنجليز كانوا ييجو ويسكنوا تحت الزيتون وما يقربوا على حدا، وكانوا يطلبوا من الناس حطب وأكل.

- مين كان يحطبلهم؟
- أمي وأبوي وكل أهل البلد. كنا كمان نجيب الحطب ونخزنه للشتا، حتى نخبز ونطبخ عليه، يومها ما كان لا غاز ولا كهربا، كنا نضوي ضيّ  نمره 4. الإنجليز ما كانوا يضايقوا الناس.

- لشو كانوا يناموا تحت الزيتون؟
- يسكنوا هناك، ما بعرف لشو!!

- إحكي لي عن أمك وعن نسوان البلد؟
- أمي كانت تفيق كل يوم الصبح بكير تخبز وتغسل وتربي الأولاد وتروح تحصد وتزرع وتحوش، كانت تزرع الحواكير، وفي عنـّا جنب البلد من تحت مارس كبير لجميع العائلة كانوا يزرعوه خضرة ويروحوا دار منصور ودار شقير ينقبوا منه، ووقت الزرع الكل يعاون بعضه.

- والأطفال؟
- كانوا يروحوا ع مدرسة فرادة، بس البنات ما تتعلم، وكانت تشتغل بالأرض وتفلح. كانوا، كل طفل ابن سنة يسلقوا له كيل برغل، لأنه كل يوم كل يوم كانت الناس تطبخ مجدرة، مجدرة حمص، مجدرة عدس، مجدرة فول أو سميدة مع شعيرية، كل يوم في سميدة ويسلقوا للطفل عشان يقوى. وكان عنـّا خبايا من طين على حيط البيوت وفيها يعبّوا الحبوب. 

- انت  كنت طفلة ع أيام كفر عنان ، إحكي لي شو كنت تعملي كطفلة بما انك ما رحت على المدرسة؟
- كنت ألعب أنا والبنات، نجيب تراب ناعم وننخله وندمل زيتون... كنا نلعب الزقيطة... ووقت الأعياد نطلع كل البنات ع جامع العمري وكل واحدة توخد سميدة أو لحمة أو خضرة، ونعمل كبّة هناك، ونظلّ من الصبح للمغرب. ولا بنت توكل مع أهلها، أيام العيد. 
البلد ما كانت إلنا، كان يملكها واحد اسمه فؤاد سعد، من لبنان، كان يملك المغار وساجور ونحف وقسم من الرامة. كانت الناس تزرع وتقلع وتوكل، النص إلنا والنص إله. وقبل ما مات كان يقول لأولاده ما تبيعوا الأرض إلا لأهل كفر عنان. هذا فؤاد سعد كان عنده تسع بيوت بالبلد تقريبا، وكلها تفتح ع جهة واحدة وكان يقعد الناس فيها ببلاش بدون إيجار.

- احكي لي عن عام ال 1948.
-  بال 48 أجو علينا أهل عيلبون هاربين، إحنا نزلنا وصرنا نجبلهم أكل وخبز وطبيخ وميّ. قسم منهم كمّل على لبنان وقسم قعد كم يوم تحت الزيتون وفي بيوتنا. أجا الجيش وصار يطخ عليهم وقتلوا واحد منهم. بعد ما أطلعوا أهل عيلبون بسبع أيام تقريباً أطلعوا أهل كفر عنان. بقي بالبلد كام عائلة والختيارية. وأنا وأخواتي وأمي طلعنا كم يوم على عين الأسد عند صاحب أبوي، ورجعنا بعدها على كفر عنان عن طريق البيادر وسكنا مع بعض العائلات اللي بقيت والختيارية. بعد حوالي أربع أو خمس أشهر أجا الجيش علينا وقال تعالوا بدنا نعطيكم هويات. تركنا بيوتنا مفتوحة وطلعنا على الشارع، يومها أمي كانت عم تغسل ملاحف وحاطـّة طنجرة المجدرة وأواعيها وسخة كتير. نزلنا أنا وأمي وإخوتي والعائلات اللي بقيت على الشارع الرئيسي. قالوا لنا ما تسكـّروا الأبواب وما توخدوا معكو إشي. بالشارع قعدنا حوالي ساعتين وبعدها حمـّلونا ورمونا ع ساحة العين بمجد الكروم على الشارع الرئيسي، فضّونا من السيارة مثل ما بفضّوا سيارة زبالة. وظلت طنجرة المجدرة ع النار والغسيل كان منقوع بالميّ.

بس في حادثة صارت بكفرعنان واحنا فيها. الجيش فات على البلد قبل ما تطلع الناس، وطخ تسعة من عائلتنا. في منهم أخوة اثنين، حسن وفواز شقير. واحد كان متزوج جديد وواحد خاطب جديد. هدول الاخوة أبوهم تجوّز خمسة لانه كان بده أولاد ومش بنات. تزوج واحدة من مجد الكروم من عائلة الزين وخلـّف منها هالولدين.

- انت شفت الشباب لما ماتوا؟
- لما طخوهم أنا ما شفت لانه كنا هاربين ع عين الاسد، بس لما رجعنا أنا وأمي رحت عند الجثث عشان أفحص إذا أبوي بين القتلى، وما لقيته. كانت الشباب مكوّمة على الارض مثل الملحومين على بعض. بعد فترة والجثث على الأرض، رحنا أنا وخضرة كريكر من البعينة، سته لواحد من الشباب المقتولين، اخذنا الجثث ورميناهم بجورة قريبة عليهم وحطـّينا عليهم شوية تراب ودفنـّاهم. هاي الجورة حفروها الانجليز. إحنا بس شحطناهم جنب الجورة، وفوق الحفرة حطينا عليهم شل (عودان الزيتون) لأنه ما كان في تراب كفاية، وسكرنا عليهم بالشل. يمكن العظام تبعتهم لليوم بعدها بالجورة وبس نروح على البلد بفرجيك الجورة اللي دفناهم فيها.

- خفت؟
- لا ما خفت، يعني كنا مجبورين ندفهن، أحسن ما ريحتهم تطلع. وبعدين لما أجا الجيش يطلعنا من البلد صار يقول لنا  يللا روحوا عند الملك عبد الله ... أبو طبخ...

- ليش كانوا يقولوا له أبو طبيخ؟
- لأنه كانت الحكومات تعزمه وكان يظله يلبي الدعوات ويوكل طبيخ عندهم.

- وين سكنتوا بمجد الكروم؟
- بمجد الكروم قعدنا حوالي سنة أو سنتين. يومها أبوي كان محبوس وطلع ولما طلع أجا علينا وجابنا على الرامة. بالرامة استأجرنا بيت شعر من البدو وقعدنا فيه أربع سنين، وخلال هاي الفترة  صرنا نروح ع بلدنا كفرعنان  نحوش تين ورمان إلنا وكنا نبيع لليهود. بعدين صرنا ندور على المزابل وندوّر وين في برميل حديد كبير، نجيبه ونفتحه وعملنا منه براكيات. قعدنا حوالي 12 سنة بالبراكية. 

- كيف كانت حياتكم بمجد الكروم؟
- أمي كانت تيجي ماشية من الرامة لمجد الكروم، كانت تشتغل بالرامة، تحصد وتزرع حتى تشتري لنا خبز وتطعمينا. بمجد الكروم سكنا تحت الزيتون وبعدين ببراكية أرضيتها مش مصبوبة حوالي شهر أو شهرين، يعني مش بمحل واحد. أنا كنت الكبيرة وكنت أهتم بإخوتي لما امي تروح على الشغل.

- كيف عاملوك أهل مجد الكروم؟
- ما ساعدونا، إذا بدنا نشتري حبة بصل كانوا يقولولنا هاتوا بدلها صحن طحين أو مصاري، بعدين أجت الإغاثة وصاروا يعطوا للاجئين خبز وحليب. مركز الإغاثة كان من شرق مجد الكروم.

- وين أهل أمك راحوا؟
- إخوتها وأمها تهجروا على لبنان وأبوها مات قبل ما يرحلوا وأمها توفت بلبنان، بس أمي ما طلعت معهن عشان كانت متزوجة وما كانت عارفة زوجزها إذا كان ميت أو محبوس. إحنا عرفنا إنه أبوي ما مات بس لما طلع من الحبس، وأجا علينا بمجد الكروم.

- أبوك شو عمل بالسجن؟
- صاروا يشغلوهم، شغل صعب كتير، أبوي بالأول اشتغل، بعدين بطـّل يروح ويقول لهم إنه مريض وكان يظل نايم. لما طلع جابنا ع الرامة لأنها قريبة ع كفرعنان. وبالرامة راح على كيبوتس فرادة عند مختار يهودي اسمه بيركو وقال له، أنا معي ثلاث بنات ومرتي وعندي حصان وبدنا نوكل، جوعانين. شو رأيك أحوش التين والرمان والليمون من أرض فرادة وأبيعه بالمغار، إلي ولك ع النص. وافق اليهودي، وصرنا نحوش وتروح امي تبيعه بالمغار وكنا نجيب له المصاري ونوخد النص. ولليوم إحنا أصحاب مع عائلة اليهودي هذا.

- بس شو حسيتو إنه هاي الأراضي اللي اشتغلتوا فيها هي أصلا مش لليهودي وإنما لأهل فرادة وكفر عنان؟
- شو بدنا نعمل بدنا نوكل، بدنا نعيش، ما كان معنا قرش، لا عنا أرض ولا مصاري. أنا بعدها تجوزت بالرامة وخلـّفت 7 صبيان وثلاث بنات، وماتوا اثنين من الصبيان. وكنا مجبورين نشتغل حتى نطعمي الأولاد.  أنا اشتغلت بالرامة، بالزيتون، وبالحصيدة وبالباطون، كنا نعمر بيوت، نروح صبايا وشباب ونجبل ونحمل الباطون ونبني بيوت. 

في حادثة صارت واحنا ساكنين بالرامة، حوالي بعد ثلاث أو أربع سنين من الاحتلال. مرة رحنا حوالي 15 شاب وصبية من أهالي كفر عنان ع بلدنا حتى نتبعر زيتون، كان معنا يومها عمي أبو جوزي. وإحنا نلقط زيتون، أجت سيارة  الجيش ووقفت ع الشارع ونزلوا يهجموا علينا. صار عمي يقول لنا اهربوا، ما تخافوا عليّ، اهربوا. البنات رموا الزيتون ونزلنا نركض بالوعر ومسكوا بس بنتين وحطوهم بالسيارة. أجا عمي عليهم وصار يصرخ على الجنود ويقاتل فيهم، ونجح يطلع البنات من السيارة ويهربهم، وصارت الجنود تضرب فيه. كانوا بدهم يوخدوا البنات ويغتصبوهم. يومها كان الحكم العسكري بادي وكنا نروح نبقل بالسرقة ولما نشوف يهودي نتخبـّى وما نمشي ع الشارع الرئيسي.

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية