يحيى عبد الرحيم الشاذلي
22/03/2008

لفيديو الشهادة اضغط/ي هنا

الموقع

سميت أم برج، لأنه كان فيها برج. أنا ما شفت البرج. كان زمان. عدد سكان القرية عام النكبة كان حوالي 200 شخص. إدارياً كانت أم برج تابعة لمحافظة الخليل. مدينة الخليل تبعد عنا حوالي 30 كيلومتر  من الاتجاه الشرقي الجنوبي. القرية واقعة على تلة صغيرة. كلها كهوف قديمة. على أرضها وحواليها كان خرب كثيرة مبنية على مواقع أثرية مثل خربة الحمـّام وخربة أم بطن وخربة فطوم. خلة بير هارون وخلة وادي النصارى من الجهة الشمالية كان فيها ميّ.

يحد القرية من الشمال قرى زكريا، بيت نتيف وعجور، ومن الغرب خربة المنصورة ودير نخاس وبيت جبرين، ومن الجنوب إذنا وترقوميا ومن الشرق صوريف . أقرب مستعمرة لأم برج كانت كفار عتصيون من جهة الشرق. تبعد عنا حوالي 20 كيلو. أنا ما زرتها. في حرب 1948 كانت هدف للمقاومين. المقاومين احتلوها. ما كان بيننا وبينها أي علاقة. كانت بعيدة عنا. بيننا وبينها صوريف. ما كان علاقة بيننا وبين اليهود. كان هناك مشاكل بين كفار عتصيون وبين صوريف على الأراضي. لما كانت تصير مشاكل كان الإنجليز يوقفوا لجانب اليهود دايماً.  لما كنا نسافر عالخليل كنا نمشي من أم برج لواد السنابرة ومن هناك نطلع بباص يافا - الخليل. في طريق ترابية طولها حوالي ثلاثة كيلومتر من أم برج للشارع الرئيسي اللي يربط بين بيت جبرين وبين الخليل. كانت الباصات تمر من الشارع الرئيسي. بتيجي من يافا وتمر من دير نخاس وبيت جبرين. أنا ما ركبت بالباص ولا مرّة. أغلب أهل البلد كانوا يوصلوا الخليل على الخيل أو الحمير. ما كان في بلدنا سيارات. قبل النكبة كنت أزور الخليل. كنت أروح مشي. ما زرت مدن فلسطينية ثانية.

العائلات
كانت ببلدنا عائلات صغيرة هي: ابو العرايس، الشاذلي، النشاش، ابو خضير، الأسطة، أبو رية. أبو العرايس والشاذلي وأبو ريّة من أصول مصرية ، الأسطة من أصل تركي. كل البلد حارة واحدة صغيرة. الناس ساكنة جنب بعض وكأنهم عائلة واحدة. مضافة رئيسية كانت بالبلد ببيت سالم حسن النشاش. كان استعمالها للصلحات وفي رمضان وللسهرات للأعراس والخطبات. كل الناس كانت تخدم المضافة. كل الناس تتعاون بالضيافة. احنا كنا شباب صغار وكنا نعمل قهوة للمضافة ونسقي ميّة. كان دايما قاعد فيها شخص، ما كانت تفضي. وكانت مضافات صغيرة لكل عائلة إذا زارها ضيف خاص. المضافة الرئيسية كانت مساحتها حوالي سبعة متر بثمانية متر. مبنية من حجر وسقفها من خشب وطين. سالم حسن النشاش كان مختار أم برج. بوسط البلد كان في ساحة، حطينا فيها مقاعد من حجار. كان الناس يلعبوا فيها ويسهروا فيها ويقعدوا على الحجار.

الآثار
أم برج قرية مبنية على آثار لكن ما كنا نعرف عنها كثير. كان لي ابن عم يمشي مع رجال الآثار وكان يشوف الآبار والآثار  والكهوف تحت الأرض. رجال الآثار سنتها كانوا عرب من القدس وبيشتغلوا مع البريطانيين. كانت كهوف كثيرة حولنا. مثل خربة أم السويد، خربة وادي النصارى وخربة فطوم. كان في خرب تابعة لأم برج مثل خربة الحمّام. هي كمان أثرية. أم برج وهاي الخرب كانت مبنية على كهوف. كل بيت على كهف. كنا نستعمل الكهوف للدواب.

التعليم
ما كان بأم برج مدرسة ولا مسجد. بكل البلد كان عدد قليل من الأشخاص  يعرفوا القراءة والكتابة: والدي عبد الرحيم، عمي محمد  وواحد مغربي اسمه الحاج علي وشخص اسمه عبد الرحيم عبد العال. أبوي وعمي درسوا في صوريف. احنا كنا ندرس بالبلاد القريبة. أنا كنت أروح أدرس في بلد اسمها بيت أولا. درست حتى الصف الرابع. كنت أبات عند قرايبي هناك. كانت غرفة مفروشة حصر وكان معلم من بيت أولا اسمه محمد سعد من دار الخطيب كان يعلمنا قرآن وحساب وعربي. ما كانت مدرسة حكومية. كنا بس أولاد وما كان معنا بنات. من اللي تعلموا معي بتذكر بس منصور الخطيب، كان من قرايبنا ببيت أولا. صار منظر قدامي بالمدرسة وبسببه تركت المدرسة. في ولد عمل غلط وكان عقابه "فلقة"، الفلقة هي كانوا يربطوا رجلين الولد بحبل، يشلحوه الكندرة، كان أولاد ثانيين يرفعوا رجليه والشيخ كان يضربه بالعصا على رجليه الحافيات. أنا من يومها ما رجعت على المدرسة.

الدين
أهل البلد كانوا مسلمين. بس ما كان عندنا جامع وما كان يرفع أذان ببلدنا إلاّ برمضان. كان هذا الشيخ محمد سعد يسكن في بلدنا برمضان وكان  يؤذن ويقيم الصلاة كل شهر رمضان. وكان ييجي يوم قبل عيد الأضحى ويبات في بلدنا ويصلي فينا صلاة العيد. صلاة العيد كانت تصير بالبيادر لأنها أوسع. من ناحية فتاوى أو أسئلة كان والدي عنده معلومات وإلمام بالدين. باقي الأيام كان كل واحد يصلي ببيته، وأحباناً يصلوا المغرب والعشاء بالمضافة. كان الحاج علي المغربي إمام الصلاة. في بالبلد مقام اسمه مقام الشيخ صبيح موجود بالجهة الغربية  من البلد. قبر صغير . كان الناس يزوروه يوم الجمعة. ما كان علية غرفة. كان عنده شجرة زيتون اسمها زيتونة الشيخ صبيح. كان الناس تتبرك فيه وكان ناس يعملوا عمل خير عن روح الشيخ صبيح. مقبرة البلد موجودة جنب القرية من الجهة الجنوبية.

الصحة
كان مركز صحي في ترقوميا يفتح كل يوم. كانت هناك ممرضة اسمها الست عزيزة. كنا نبعث مرضانا لهناك على الدواب. إذا كنا نحتاج مستشفى كنا نروح على الخليل. وكان ناس بالمنطقة يعالجوا بالطب العربي.  الولادة كانت تصير بالبيت، النسوان الكبيرة كانت تساعد المرة بالولادة.

الاقتصاد
كان بأم برج عين اسمها بير هارون. كان الناس يشربوا منها. من الجهة الغربية الشمالية. كان نبع طبيعي. مبني عليه غرفة. كان فيها مضخة ماء. على زماني كانت خربانة. كان الناس يجيبوا المي على الدواب أو النسوان تحمل تنكة الميّ على روسهن. بالبيوت كان جرّة، توسع خمس أو ست تنكات، كانوا يعبوا الجرّة ميّ ويشربوا منها.

كنا نضوي بواسطة سراج على كاز. البيوت كلها كانت من طين ما عدا بيت واحد من اسمنت، بيت ابن عمّي. كان بالبلد دكانينن. للطبخ كنا نستعمل الحطب للنار. كان ناس يعملوا فحم للتجارة. يعملوا ويبيعوا. دكان عبد الله أبو ريّة ودكان أحمد حسن. كانوا يبيعوا كل شيء: رز، سكر، حتى هريسة وبيض حمام (نوع حلويات). وكانوا يبيعوا كاز. كانوا يجيبوا بضاعة من الخليل. كان بالبلد حلاقين اثنين: واحد اسمه سلامة أبو العرايس وأحمد حسن صاحب الدكان. كان الناس يحلقوا أو يشتروا من الدكان ويدفعوا بموسم البيدر. كانت الناس تخيز بالطابون. طابون محفور بالأرض ومشيد بالطين والتبن. بداخله يحطّوا زبل وحجار. يولعوا فيه نار ويحطوا العجين على الحجارة ويخبزوا.

كان خيـّاطة واحدة بالبلد اسمها أم عيسى، زوجة المغربي. كان عندها ماكنة يدوية.

الثقافة
واحنا صغار كنا نلعب لعبة اسمها القناطر، كنا نرتب حجار ونعمل فريقين ونضرب على الحجار حتى نوقعها. كنا نلعب بنانير ولعبنا الحجلة. الكبار لعبوا السيجة والصينية. كان ييجي شخص مع صندوق العجب ويحكي قصص أبو هلال وعبلة وأبو زيد. كنا نطلّع بالصندوق، كان فيه مكبّر ونشوف صور كبيرة. كان الولد يدفع قرش. كان ييجوا شعار من خارج أم برج ويحكوا قصص بالليل. قصص الزير سالم وأبو زيد والشاطر حسن. كان شاعراسمه جدّوع.

الزراعة
- كنا نزرع القمح والشعير والذرة للتجارة وللبيع، والعدس فقط لكفاية البيت والكرسنة لإطعام الدواب. بالنسبة للخضروات كان الواحد يزرع خضرة لحاجتة مثل البندورة والكوسا والفقوس والقرع. كان الواحد عنده بستان فيه تين وعنب. الصبر كان كثير. كل واحد كان عنده صبر. كانت بلدنا مشهورة بالصبر. كانوا يقولوا صبر أم برج.لأنه صبر حلو. أحسن صبر. زيتون ما كان، يمكن بالمدة الأخيرة قبل ما نطلع بعدة سنوات زرعوا زيتون. كان عندنا أعشاب برية: ببونج، ميرمية، زعتر، جعدة. كان عكـّوب كثير وبس ما كانوا يهتموا فيه، كانوا الناس يهتموا ويلقطوا فطر. للحراثة استعملنا أعواد الحراث، جربوا التراكتور سنة زمان وبس تركوه. لأنه أرضنا وعرة ومقسمة موارس والتراكتور ما بفيدها.

كانت العونة دارجة بين الناس. كانوا يسانده بعضهم البعض بالمناسبات بالفرح والبنا والزراعة والحصيدة. ما كان عمال. كانوا الناس يساعدوا بعض دايماً. والنساء كان لهن دوركامل بالزراعة، يعشبن ويحصدن ويغمرن ويزرعن. كنا نطحن القمح عند "بابور الشعراوي"، واحد خليلي عنده مطحنة من جهة الشرق بين بلدنا وبين بيت أولا. كنا ندفع ضريبة على المحصول زمن الانتداب البريطاني. وكنا ندفع ضريبة على كل راس غنم أو بقر.

كان بالبلد أبقار ودجاج وغنم سمراء.  حوالي سبعين ثمانين راس بقر وحوالي ألف راس غنم لكل البلد. كان عند كل بيت تقريباً جمل وحمار للتنقل. المناطق حولنا كانت واسعة وكنا نرعى الغنم والبقر فيها. كنا نعمل لبن وسمن وكنا نبيعها خارج البلد. كنا نحطها عند شخص ونرجع بعد فترة ويعطينا ثمنها.  كان عندنا نحل كثير وكنا نعمل عسل كثير. كل الناس عندها عسل. ما كنا نلقى حدا يشتريه من كثره.

أنا اشتغلت برعي بالغنم. كان عندنا غنم كثير وما كان عندنا بقر. الغنم والبقر كنا نبيتهم بالمغر والكهوف. كل بيت كان تحته مغارة. أنا ما كنت أعرف كم دونم أرض كان لأهلي. كنا نزرع ونفلح ولكن ما بعرف وين أرضنا.

ثورة 36
سنة ال-  36 ، كان عمري أربع سنوات. كان ثوار عرب بييجوا لأم برج حتى يتخبوا من البريطانيين. أذكر أني شفت طيارة بريطانية تبحث وتطارد الثوار. كان أهل البلد يقدموا الأكل والمأوى للثوار. كان الانكليز ييجوا على الخيل يفتشوا عن ثوار. إضراب ال – 36 ما كان له أثر عندنا وما سمعت فيه حينها. أقرب مركز بوليس بريطاني كان في بيت جبرين.

النكبة
أنا كنت أسمع من والدي كان يقول انـه اليهود بدهم يحتلوا فلسطين. لكن مصر واقفة ضدهم. كان هذا الحديث يدور بين الرجال الكبار. ما كان في بلدنا راديو أو جريدة. كنا نسمع من الناس. خبر قرار التقسيم وصلنا لأنه خبر مهم وكل الناس حكت عنه. سمعنا أنه الحاج أمين رفض الاقتراح. كان الناس يجهلوا السلاح. بذكر انه الانكليز أعطونا ثلاث بواريد من نوع "كندي" مستعملة. عيلتنا بارودة ودار النشاش بارودة ودار أبو خضير بارودة. يمكن كان حوالي عشر بنادق أخرى مع الناس. هذا كل ما كان بالبلد من سلاح. والناس ما كانت مدربة. القرى الواقعة غربنا مثل تل الصافي وعجور رحلوا وأجو عندنا. كانت الدنيا صيف. ظلوا لآخر السنة ورحلوا. احنا عددنا قليل، لو صار علينا هجوم ما في حدا يدافع عنا. ولو صار ما كنا نعرف شو نعمل. ما كنا منظمين لوضع حربي. ما كان إمكانية للمقاومة. اليهود كانوا يهجموا بالمدافع  والرشاشات والطيارات. كان ييجي ثوار قلائل من القرى المجاورة  وبعد فترة يتركونا. ما وصل عنا جيش نظامي عربي. ما كان عندنا تفكير بالدفاع أو الاستحكام. بعد ما تركونا الناس المهجرين من القرى اللي حوالينا احنا وراهم طلعنا.

كان عدد من شباب البلد يشاركوا في معارك خارج البلد. عدد منهم شارك في معركة كفار عنصيون. هناك استشهد عبد العزيز أبو خضير، وكان معه واحد من دار أبو رية ويمكن عيسى النشاش وغيرهم. هم فزعوا مع الجيش الأردني، كانوا طالعين من بيت جبرين وبدهم يروحوا لكفار عتصيون. جاء جماعة من أصحابه وقالوا أنه عبد العزيز استشهد وطلبوا منـّا تيليغ أهله. أنا تبرعت بتبليغهم، رحت ولكن خبّرتهم أنه عبد العزيز تصاوب ولازم تروحوا تشوفوه. دفنوه في صوريف.

احنا في بلدنا ما احتجنا لفزعة. احنا استقبلنا اللاجئين من القرى القريبة منا من الغرب، من عجور ومن تل الصافي ومن المسمية. ظلوا عنا حوالي ثلاث شهور. كانوا يناموا تحت الشجر وبنوا عرايش. كانوا بالمئات. عاشوا على أشياء بسيطة. كانوا يتسللوا لقراهم حتى يجيبوا أغراضهم أو يقطفوا مزروعاتهم. ما كان عنا امكانية لمساعدتهم. أهم شيء بالنسبة الهم كانت الميّ وهاي موجودة، كانوا بحاجة للماء ليسقوا حلالهم ويشربوا.  

- لما رحلوا عنا اللاجئين، رحـّلنا  العائلات ، الأولاد والنساء والعجزة، لترقوميا وصوريف وخاراس ونوبا وغيرها. لما راحت يافا وراحت المناطق الغربية وزكريا وعجور وبيت نتيف وهذي القرى الأكبر منا عشرين مرة، إذن احنا ما ظل أمامنا خيارات. انهارت معنويات الناس. كان الرحيل هو الإمكانية الوحيدة. اجتمع وجهاء البلد وقالوا أنه احنا ما إلنا فزعة ولازم نطلع. أبوي كان صار طالع من البلد لأنه كان كبير بالسن، حوالي ثمانين سنة، معاه طلعوا أخواني الصغار عارف وفوزية ومحمد، طلعوا على بيت أولا عند نسايب النا من دار العدم. أنا ظليت بأم برج حوالي اسبوعين وراهم. ظلينا حتى نشوف كيف تطور الأمور. إذا كان أمل بالعودة أو لا. بعد أسبوعين تركنا البلد. كنا مجموعة حوالي عشر أشخاص. سكّرنا البيوت وطلعنا مع الحلال  ورحنا على صوريف ليلة واحدة وبعدين رحنا لمنطقة الخضر وبتنا عند شخص بعرفوه أهل البلد.

محاولات العودة
ومع ذلك فكـّرنا إنـّا راجعين. الناس ما أخذت الأشياء المهمة معاهم. أخذوا فقط حاجتهم من اللبس والأكل. أذكر أني رجعت للقرية أنا وأخوي بعد أيام حتى نشوف شو الوضع. كان بالبيت صندوق، كانوا داخلين على الدار وكاسرين الباب، الصندوق كان مكسور وكان مليان أوراق ومستندات. أنا وأخوي تركنا الأوراق هناك وما أخذناها. كلها ظلّت هناك. 

واحنا بالخضر، نزل المطر، رجعت على أم برج مع الحلال أنا وأخوي، وسكنـّا فيها. بعد ما غبنا عنها حوالي أربعين يوم. كان شخص منـّا اسمه علي أبو ريـّة ومعاه بارودة، كان يطخ على اليهود اللي أجو يطردونا ويصيح عليهم، أوهمهم أنه بالبلد في قوة، وأوقف اليهود من مطاردتنا لعدة أيام. ظلينا بالبلد حوالي أسبوعين. كنا مجموعة صغيرة وأغلبنا شباب. بس ابن عمّي عبد الحفيظ كانت زوجته معه. كان معنا محمد اسماعيل وعلي أبو رية وعبد الرحمن سالم وغيرهم. وبعد أسبوعين وصلت قوة من اليهود. يومها طلعنا نهائياً. كان الطقس  أول الشتا، يمكن شهر عشرة.

بعد بأشهر، كان حوالي عشرة أشخاص، اثنين من أم برج محمد أبو العرايس وحسين شلاش، وواحد من نوبا اسمه أحمد محمود، رجعوا للقرية لياخذوا حطب ويبيعوه. اليهود قبضوا عليهم وعلى واحد ثاني معاه غنم. وحكا لنا محمد أبو العرايس أنه اليهود ذبحوا الغنم وكانوا يطلبوا من الواحد منا يمسك راس العنز ونرقص قدّامهم وكانوا يصورونا. كانوا يأمروا الواحد منا يحمل بفمه  راس أو رجلين أو كرش غنم لنرميه بالزبالة ويصوّرونا. بعد فترة معينة أطلقوا سراحهم. 

اللجوء والشتات
بعد أم برج، احنا سكنا فترة ببيت أولا عند نسايب النا من دار العدم. وبعدين سكنا فترة عند محمد سعد الخطيب ، الشيخ اللي ذكرته من قبل، هو كان من أقاربنا. بعدها رحنا نسكن في صوريف، عند أخوالي محمد وأحمد وتوفيق عبد الرزاق. سكنّا في صوريف حتى أول الخمسين. أبوي كان منتمي لزاوية الدراويش. كان عجوز وطلب أن ندفنه عند الدراويش في نوبا. فانتقلنا إلى نوبا حتى توفي والدي ودفناه هناك في نيسان 1950. كان عمري حوالي 17 سنة. عدنا إلى صوريف عند ابن عم لنا وسكنا هناك حتى سنة الخمسين واحد وخمسين. بعدها رجعنا إلى نوبا. ثم انتقلنا إلى مخيم عين السلطان في أريحا عام 1952. حتى هذه الفترة كنت أشتغل برعي الغنم عند الناس. بمخيم عين السلطان سكنا قرب ابن عمي وسكنا في العراء والخيام. بعد فترة جمعت حجارة وبنيت غرفة وحمام وسقفتها بخشب. ثم بدأت أصنع وأدق حجارة للبناء وأبني للناس بالأجرة. فأصبحت محترف بناء. عدة عائلات من أم برج سكنت قريبة من بعضها بالمخيم وشكلنا حارة وفتحنا فيه مضافة أم برج. بالمخيم بنت وكالة الغوث مدرسة وعيادة. كان بالمخيم مراحيض عامة، بعضها للنساء وبعضها للرجال. عام 1952 زرت أم برج. كنت بمشوار للخليل وبيت أولا وقررت زيارة أم برج. كنت لوحدي. وصلت وما لاقاني أي أحد في الطريق. ما شفت ولا يهودي. كانت القرية فارغة، لكن أبواب البيوت مكسّرة وصناديق النحل "قدوس" الكثيرة كانت مهدمة. رموها من التلة إلى الخلة. لفـّيت بالبلد شوي. كان الشعور سيء. شعرت بالوحشة لأن البلد كانت خالية من الناس. كأنك ترى أنسان ميت. أخذت معي قطعة نحاس من بيتنا. كانت هذه المرّة الوحيدة التي زرت فيها أم برج بعد النكبة. عام 1954 انتقلت إلى عمان. السبب الرئيسي كان البحث عن عمل. عام 1960 أخواني انضموا إلي وأجوا إلى عمان. انضميت للجيش الأردني وخدمت فيه أربع وعشرين سنة. اشتريت نصف وحدة سكنية في مخيم الوحدات وكنت هناك أربع سنوات. عام 1968 بعد النكسة أيقنت أن البلاد راحت بشكل نهائي ولا أمل للعودة. اشتريت قطعة أرض هنا وبنيت علبها واستقريت فيها.  تزوجت عام 1955 وعندي ستة أولاد وبنتين. أختي تجوزت، أخوي الصغير عارف ساكن هنا جنبي. أخوي محمد استشهد بعملية داخل فلسطين عام 1970.  قطع الحدود من الأردن مع مجموعته. كان اليهود باستقباله وقتلوه.

أخوي عارف زار أم برج حوالي سنة ألفين. وصفها كحارة صغيرة ومهدمة كلياً، وحواليها مساحات شاسعة  من الأراضي الخالية.

--------------------------

السيد يحيى عبد الرحيم الشاذلي

تاريخ الولادة: 7- 12- 1932
اسم الوالد: عبد الرحيم عبد الفتاح الشاذلي
اسم الوالدة: نصرة عبد الرحمن أبو فارة

أجريت المقابلة  في الأردن، يوم السبت  22 آذار 2008
ضمن مشروع التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية التابع  للموقع  الالكتروني "فلسطين في الذاكرة"     
www.palestineremembered.com

أجرى المقابلة ركان محمود

 

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية