رسمية عبد الفتاح خير-ام رزق
01/01/2006
رسمية عبد الفتاح خير-ام رزق (1918)

من مخزون ذكرياتها حدثتني أم رزق

الحياة الزراعية: كانت الحياة منيحه وكنا مبسوطين، كنا نحصد، نقلع، ندرس، نضمّن بياراتنا ونوكل، بياراتنا ضمّناهم قبل ما طلعنا، تركنا البرتقال في الحوش، مقطوع وجاهر حتى نحطه بالصناديق، والله برتقال دار عمي ضل على أرضه.
النسوان كانت تشتغل مع جيزانها بكل مكان، أنا بقيت ازرع بندوره، خيار، ملفوف، وبرتقال وكنت افلح واحرث، أنا كنت وحيده لأهلي، اشتغل كل شي لحالي، أقوم من الصبح وارجع المغرب على البيت.

مره أجا واحد عنا على كفرعانا يركّب بابور ويعلمني عليه، قاللي وين أخوك، قلت له أنا ما عندي أخوه وأبوي ما بعرف، صار يعلمني على البابور وعلى كل برغي. كان عمري يمكن 15 سنة، كنت أدير البابور وأدير المي على الشجر واسقي، اكشبر، اركع (..).
قبل التهجير كنت متزوجة، انا اكبر من زوجي بثلاث سنوات، أولادي وصفية وفوزيه ورزق وفخرية ولدتهم بكفرعانا.

تستمر ام رزق في حديثا عن دورها في الزراعة والإنتاج بلهفة: كنا ننزل على الأرض بعد ما نولد وابننا على ظهرنا، ابننا بظهرنا ونطلع نحصد، ابننا بظهرنا ونقطع برتقال، كنا ننيم الولد تحت الشجره ونشتغل، نعمله خيشه وننيمه تحتها حتى ما يبرد، ولما كان الطفل يصمّت، كنا نجيب شوية سمكة حمراء (تراب احمر) وندهنه فيه ويصبّح ولا في اشي عليه. أولادي ولا مرّه حطيت لهم بودرا أو دوا او أي اشي تاني، بس التراب.

بعد ما رحلنا على أريحا ولدت ثلاث أولاد، والله كنت اطلع على روس الجبال واجيب السمكة وافرشها وانخلها وأحطها على الولد، يصحى ما فيه اشي. هاي السمكه حنونه على الأنسان مثل ما هي حنونة على الشجر.

عن المدرسة حدثتني مبتسمة: كان في مدرستين وحده للاولاد ووحده للبنات، لليوم بعدها المدرسة مش مهدوده وأولادي تعلموا فيها. أبوي ما خلاني أروح على المدرسة لأني كنت مسئوله على الفلاحه، كنت أروح اشد على البغله، اخذ نسوان أبو زلمتي التنتين، هم يقلعوا سمسم وأنا اربّط وراهم، اعبي العرباي واطلع أديرها على البيادر وأرجع ألقاهم مساويات النقله الثانيه، نربطها ونروّح.

نسوان اليهود مشلّحات ونسوان العرب لابسات
كان اليهود يجيوا على كفرعانا، وكانت أراضينا وبياراتنا جنب بعض. وإحنا كنا نروح على بيوتهم ونشتغل عندهم ونورّد عليهم تبن.

نسوان اليهود كانوا دايما مشلّحات وبالكلاسين والنسوان العرب لابسات، ما همّ أجانب!، بس كنا نلعب معهم على البحر وعلى الشط. كنت اروح تل ابيب ويافا راكبه على الجمل لحالي، أعبي تبن وأروح عليهم، اطق على الباب، افسخ الحمل وأقيم الأكياس، أعطيهم ويعطوني حقه واركب الجمل وارجع. كانت النسوان اقطع من الرجال ولا حدا يسترجي يوقفلنا بالطريق، إحنا زلام، ومن يوم ما خلقنا النسوان الفلسطينية أقوى من الرجال، آه والله.

مره واحد ضرب علي حجر صغير، رجعتله ومسحت الأرض فيه ودقيت فيه بالكندرا وقلت له والله لأبعت لأبوك، هو اليوم موجود معنا بالمخيّم. هون بالمخيّم بنات نبالا وبيت طريف لما تصير طوشه يصيروا يحطوا الحجار بحجورهم ويتناولوا ويعطوا للرجال، واحده تروح تملي وواحدة ترجع. اليوم الرجال بخافوا يتزوجوا من بنات بيت نبالا لاجل رجم الحجار.

نساء كفر عانة يخبزن للثوار
الانجليز اوسخ من اليهود، كانوا ساكنين بالعباسية، فظعوا فينا، بالآخر صار كل شعب فلسطين ثوار، كانوا يوقفوا خارج البلد على البيارات يدوّروا على الثوار، لأنهم بعرفوا انه الثوار ما بدخلوا على الدور. النسوان كانت تخبز وتعجن وتبعت الأكل للثوار، بذكر يجي المنادي وينادي: يا بنات اللي عندها مروّه تحضر أكل وتبعته على دار ابو خالد؛ كل واحده تسوي اللي قدّر لها ربها. بذكر مره أجوا الانجليز على البيادر وواحد من الثوار نطّ بالبركة وصار يغطس ويطلع ويغطس ويطلع لحتى راحوا الانجليز.

اليهود تقصف والمسلحين على الشجر
اهل البلد كانوا مسلّحين، اللي عنده ذهب لزوجته كان يبيعه ويشتري باروده، طيب باروده بتقنع دبابة ؟؟.

لما اجو علينا اليهود بدهن يطلعونا على البيادر حتى يحسسوا الدور ويشوفو اذا في سلاح او لا، كان في امرأة من كفرعانا داخل بيتها عم تولد والجنين كان نصه تحتها ونصه ببطنها، اجوا اليهود وبدهن يطلعوها، قالت لهم: بس اولد بطلع، قال لها: لا، قالت له: مش طالعه واللي بدك اياها اعمله؛ بالاخر استنّوها لحتى ولدت، وربطت الطفل وحطّت الأخت (الرفيقة) معه وطلعت معنا على البيادر، هذا بجوز من ربنا؟ لا ما بجوز.

بعد ما فتّشوا وما لقيوا المسلحين والسلاح، طلعوا من البلد، وإحنا روّحنا على الدار، لا حول ولا قوه الا بالله العظيم، دارنا كانت مقلوبة قلب، ولا اشي مع اشي.

بعدها صارت اليهود تقصف البلد بالدبابات والمسلحين يطلعوا على الشجر؛ كان عنا شجر برتقال طول هالبواب، صاروا يتخبوا بالشجر من فوق ويضربوا بالنرتين (نوع سلاح) على الدبابة، هاي الدبابة اجت علينا من العباسيه ووقفت على البيادر، في واحد (تضرب بغضب على ارجلها)، شفته ممد قدامي، هو من دار ابو رقعه من سلمة، كان يحارب بكفرعانة، صارت الناس تقول له: يا ابن الحلال ارجع، يا ابن الحلال ارجع، ما رضي يرجع، بده يموت، الدبابة على البيادر قباله، ضرب عليها أول طلقه والثاني وقفت الباروده، الخنزير(المقصود المحارب من عصابة الهجانا) عرف انه الباروده وقفت، قام دحَل عليه وقتله؛ بعد حوالي أسبوعين اجت عائلتة، قلنا لهم: حطّينا الجثة بالفستقيه، يعني ملجأ او غرفة للميتين، لما اجو عليه يطلعوه، شاهد الله، كان بعد وكأنه اليوم ميت، ايديه مثل الحرير؛ قاموه وقعدوه على الكرسي بالسياره وجللوه، مرته قالت: حّلوا الكلاشن عنّه، بعد ما حلّوه لقينا المصاري اللي كان شايلهم عشان يروح ع الحج. طالوا المصاري عنه، وأخذوه على سلمه.

وصارت يا خالتي الطريق مثل الزبيب
لما صار القتل فينا، صاروا يضربوا البارود على الناس اللي جوّا واللي برّا، وصارت يا خالتي الطريق زي الزبيب من الجثث، كلهم شباب اشي متجوز واشي اعزب، اشي بالجوّر واشي بالاستحكامات، كنا نطلّع فيهم واحنا مارقين، مش قادرين نقيمهم، لانه الشباب كلها طلعت وبس النسوان بقيت. كيف بدنا ندفنهم؟، صارت النسوان تتسلل بالليل ويقيموا فيهم ويحطّوهم بالفستقيّة فوق بعض. صاحيتها مثل ما انا صاحي اسا.

والله ابن درويش انقتل واجريه عالقة فوق بالشجرة وراسه لتحت وهو ميت، بعدين طالوه وقبروه. ابن الحاوي انقتل باب داره، وامه انقتلت جوا.

الرحيل وسقوط الدولة الثامنة
لما طلعت من كفرعانة كان عمر بنتي اسبوع، طلعنا على البيارات اللي بينا وبين اللد، بيّاره كفرعانا. ودمي بهّر على اجريي وانا ماشي، لبّسوني ثوبين وشلحتين، نمنا بين الشجر. ابوي قال بدنا نروح على اللد، قلت له: ما هي اللد لاحقها الوكر، قال لي: لا يابا احنا هلكيت منرجع، ساعة زمان بس يطلعوا اليهود، هو في يابا حدا بقدر يوخد الدوله الثامنة، سألته: يابا شو هي الدولة الثامنة؟، قال لي: مدينة اللد اسمها الدولة الثامنه، لانها قوية وما حدا بقدر يدخلها. قلت له: يابا اول ما راح تروح هي الدولة الثامنة، اذا بدك تروح الله يسهل عليك، راح ابوي على كفرعانة وفك البابور وراح على اللد، واحنا ضلّينا طالعين على بيت ريما، وبعدها ابوي لحقنا؛ خلاااااااص ما دام رحنا على بيت ريما يعني تركنا ال 48.

سكنا بالجبال قضاء رام الله، وسكنا حوالي اربع خمس سنين في عابود، اصل امي من هناك، بس انا ما كنت اعرف اهل امي.احنا يا خالتي طلعنا ثلاث مرات، الأولى من كفرعانا وبعدها طلعنا من الجبال وبعدها بال 67 طلعنا من أريحا.

الاعتداء على نساء كفرعانة
حاول الجنود يعتدوا على بنات كفرعانة، قمنا هجمنا عليهم وصرنا نرجمهم بالحجار حتى اطلعناهم من البيت، كانوا حوالي اربع او خمسه يهود. في بيت كان فيه بنتبن مسكرات على حالهن، خلعوا الباب وخشّوا عليهم، البنات شردوا على البيارات، لحقوهم واغتصبوهم.

في بنت خطفوها يهود ملبّس، اخذها واحد يهودي ربّاها وتجوزها، كان عمرها عشر سنين واهلها فكروا انها ماتت. كانوا يخطفوا بناتنا حتى يكسروا انفنا، حتى يكسروا هيبة العرب.

ما اخرجته ام رزق من القرية
لما طلعنا اخذنا كل اغراضنا، ما ظل في البلد الا الخزانات، كل شي حملناه على اكتافنا. بس القمح والذره حطيناه بالعرباي مع الاولاد الصغار، مشينا مسافه كبيره لا مي ولا زاد، قلت لهم يا جماعه شو بدنا نساوي؟ قالوا: هيّنا وصلنا، واللا شفنا سيارة بالطريق، طلبنا منه يحمّل الاولاد، قال لنا: على الولد ليرتين، قلنا له: كتير هيك، عابود قريبة يا زلمي، من وين نجبلك ليرتين، ما رضي، وبتنا هديك الليله بالطرق والصبح مشينا ونزلنا بعابود. صار القمل علينا طول شبر، والله عمري ما شفت القمل، نصه احمر ونصه ابيض، الا في عابود، الإهانة اللي عشناها بالتهجير ما خلق بالدنيا انسان انهان مثلها.

طفشنا انا وجوزي واولادي على الزيتون، بدنا نوكل حب زيتون، متنا من الجوع، صاحب الزيتون شافنا وعزمنا نتغدى معه، والله اعطيت ابني فتّه وبنتي فتّه وانا اخدت فتّه اكلناهم وربنا شهيد؛ قال لي انت من وين يا بنت؟، قلت له: انا من كفرعانه، قال لي: شو اسم امك؟، قلت له: فاطمة سعيد المنّح، وصار يعمل هيك (تضرب ام رزق على راسها)، قال: اخ اخ، وصار يضرب على وجهه؛ طلع خال امي، خالها اخو امها.

خليتبني عرص وضربتيني على رقبتي
صرنا كل يوم نسرح على الزيتون ونرجع، عملت اربع تنكات زيت، قال لي خالي بدكيش تروحي على بيت اخوالك تتعرفي عليهم، قلت له: يا خالي بفرجها الله، يومها كانت الوكالة تفرّك (توزع) علب لحمه ووقية طحين، (ترفع ام رزق يديها وراسها لفوق وتصرخ)، لمين ولمين هاي الوقيه، لعشره بالدار!، رحت بعدها لأبو رزق، حطّيت ايدي على رقبته، عم بمزح معه، وقلت له: اجانا لحمه، قال لي: خليتيني عرص وضربتيني على رقبتي، العرص اللي بنضرب على رقبته، قلت له: والله يا زلمي انا على نيتي، انا بمزح معك، يقوم يوخذ علبة اللحمة ويضربها علي وتيجي على داني من فوق، لو اجت شوي تحت كنت انقتلت. حلمت اولادي الثلاث وطلعت بطريق الجبل، مرقنا على ديوان الثوار، ما سندِت على السند اللي فوق ولا النسوان بلطموا، قعدّت الأولاد وصرت الطم معهم بدون ما اعرف على مين اللطم.

ضلينا نلطم حتى خلصنا، وجوهنا صارت زي التابوت الأحمر، بعدها شفت بنت خالي ورحت معها عند خالي، ولما شاف راسي سألني: مالك؟، قلت له: تقاتلت انا وجوزي وضربني، قال لي: وحيات شارب خالك هاد الاّ راح اخليه ينبش بعوده. صار ابو رزق يبعت ناس من كبار كفرعانة وخالي يطردهم، قال لهم خالي: اذا انتوا اخدتم امها ببلاش، بنتها مش ببلاش.

عن رهبة مجزرة دير ياسين حدثتني او رزق:
دير ياسين هي اللي اطلعتنا، والله ما اطلعنا من بلادنا الا دير ياسين، فظعوا اليهود فيها، البنت يغتصبوها وابوها وامها واقفين. قسم من اهل دير ياسين نزلوا على يافا والناس صارت تقول لبعضها وفاعت الدنيا. هذا يقول بنتي وهذا يقول اختي وهذا يقول امي، صارت الشباب ترمي حالها على الموت. اللي صار لنا ما صار تحت كتب العرش (..)، الذل اللي انذليناه احنا بفلسطين لليوم ما حدا شافه.

عن بيارة ابن كريون: أبوي كان عنده بياره 18 دونم راحت اليوم بمطار ابن كريون (بن غوريون)، مطار اللد، لما بقول ابن كريون بصيروا أولادي يضحكوا علي. لليوم البيارات مصوّرة قبال عيني، بذكر شجره الكينا، بنيت عليها من فوق كرسي، كنت لما أفضى اطلع فوق أخيط وأبقى للمغرب.

تحيه للختياره اللي واقفة على السيارة
كنت انزل على البيارة اسقي بالليل، اضلني من المغرب للصبح. اللوكس بايدي وانكش وأقيم وأحط. انا بعجبك (تصفق وتضحك). لما المخيم عنا (مخيم الوحدات)، اخذ الكأس من الفيصل أطلعوني على السيارة في فوق وحطوا المايركفون بفمي وصرت ازغرد وأغني:

احنا الوحداتيات ما فينا دنس
من طيّح الخيّال عن ظهر الفرس
من طيّح الخيال ومنركب مطرحه
وبعدها زغروده (تزغرد)

الناس اللي من فوق صارت تصفّق وتقول تحيه للختياره اللي واقفي على السياره. اجا محمد ابني وشافني وقال لي: ملعون ابو اللي خلف ابوك، هاي انت؟، حملني وشرد فيي والمصورين يلحقوه بالكاميرا، (تضحك بصوت عال) والله لحقوه…

----------------------
رسمية عبد الفتاح خير-ام رزق
مواليد قرية كفرعانا المهجرة
سنة الولادة: 1918
مكان السكن الحالي: مخيم الوحدات - الاردن
مكان المقابلة: بيت الراوية في مخيم الوحدات - الاردن
اجرت المقابلة: رنين جريس
 

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية