جمال اسماعيل محمد أبو عون - "ابو فتحي"
دخلوا البلد ولقوا فيها حوالي 20 ختيار. كل المسلحين اجتمعوا في دمرة. اليهود اقترحوا على الختيارية تسليم سلاح البلد ونرجع على بلدنا، المناضلين رفضوا، فحرق اليهود البلد. حرقوا البيوت والجرون والزرع، بسمسم وبكل البلاد. بعد ما دخلوا البلد قتلوا اثنين
06/04/2008
موقع فلسطين في الذاكرة

للفيديو الكامل للشهادة اضغط\ي هنا

موقع سمسم

اسم بلدي سمسم. يقول كبار السن أن هذا الاسم قائم فقط من زمن الدولة العثمانية لأنها كانت مشهورة حينها بزراعة السمسم. كنا تابعين لقضاء غزة، أقرب مدينة مركزية علينا هي مدينة المجدل. غزة تبعد عنا حوالي 9 كيلو باتجاه غرب – جنوب. كانت سمسم تقع على سهل وتربتها حمرا زراعية خفيفة. كان عندنا واديين، جنوبي البلد، واحد كنا نقول عنه الواد الصغير عرضه بين 6 – 8 متر، وواحد الواد الكبير وكان عرضه يصل 18 متر بمناطق معينة وأقل عرض كان حوالي 7 متر. ، يلتقوا مع بعض عند بلدنا، بيننا وبين نجد، ويصيروا واد واحد هو واد الحسي. كانت الوديان تأتي من جبال الخليل، من الشرق وتصب غرباً في البحر. كانت هذه وديان جارية بشكل قوي في الشتاء فقط. ولكن كانت تترك غدران لمدة أربعة شهور. عمق الواد يتعلق بالموسم. لما يكون مطر كثير كانت المياه بالواد تكون أعلى من الجمل، وبالمواسم الخفيفة كانت تصل المياه لحزام الرجل. كانت مناطق بالواد  ما كنا نقدر ننزلها من ارتفاع المي.
القرى التي تحد سمسم من الشمال هي: حليقات، بطّيمة، الجيّة، بيت جرجا. من الجنوب: نجد، هوج والعرب يعني عربان بير السبع كنا نقول عنها السواركة. ومن الشرق: برير، عرب الثوابتة. من الغرب: دير سنيد، دمرة، بربرة.

العلاقة مع اليهود
كان قرب بلدنا مستعمرة واحدة، نسيت اسمها، كنا نسميها مستعمرة سمسم. كان لها اسم عند اليهود ونسيته.  والصراحة إنه العلاقة بيننا كانت مية المية. أذكر مرة انهم طخّوا واحد من بلدنا وجرحوه، أجوا "طيبوا علينا" وجابوا خرفان، يعني عملوا صلح وذبحوا وغدّوا الناس تمام التمام. العلاقة معهم كانت جيدة. الدكتور تبعنا منهم. ما أذكر اسمه رغم إنه أخوي عبد المعطي أصابه سعال قوي وكان مخطر ويمكن يموت، وطاب على يد الدكتور تبعهم، رحنا عنده أربع خمس مرات لعلاجه. كانت المستعمرة من الجهة الشمالية للبلد. كانت كيبوتس. بيوتهم مركبة من بناء جاهز، حيطان بتكون خالصة، بركبوها ببراغي وبغطوها بقرميد. أذكر إنه كان مختار لهذه المستعمرة، كنا نسميه الخواجا زيف. لا أعرف بالضبط من أين جاؤوا سكان الكيبوتس، هم طبعاً من برّة، كانوا يحكوا عربي. كنت أعرف اربع خمس أشخاص من اللامعين في المستعمرة، أذكر الخواجا داوود. كانوا يتبادلوا على المخترة. كانت الميزة فيهم إنه مختار اليوم يمكن يكون بكرة ناطور. الناطور بكرة بيكون حراث. ما كان عندهم المختار يظل مختار على طول. بصراحة العلاقة كانت جيدة وكنا ندخل المستعمرة بشكل عادي. كل هذا قبل الحرب طبعاً.  ما كان بيننا مشاكل. في المناسبات كان بعض أفراد منهم يزورونا. كنا نشتغل عندهم نواطير وحراس على أراضيهم التي خارج المستعمرة. هم ما كانوا يشتغلوا عندنا. كانوا يشتروا منا حليب وبيض وبقر. 
بالنسبة لحادثة إطلاق النار: هذا الشخص كان يحصد بأرضه. اسمه أيوب أبو زيدان، أرضه قريبة من أرض اليهود. بقراته دخلت أرض اليهود، فأجو ليطردوه، صار بينهم مشادّات، مسك العصا وصار يجري وراهم، واحد منهم كان مسلح فأطلق النار عليه، أصابه بركبته، طبعاً بعد هيك أخذوه على المستشفى وعالجوه وطاب. بعدها أجو يطيبوا وجابوا حوالي 12 خروف. يقال إنه الخواجا داوود هو الذي أطلق النار. أنا سألت ابن الشخص الذي أصيب فقال لي إنه الخواجا داوود هو الذي أطلق النار. أنا حضرت "الطيبة" (الصلح)، لأنه أعلنوا قبل أيام عن موعدها. ولكن ما كنت ذا قيمة بالمجتمع، كنت صغير.

أنا صارت معي حادثة شبيهة. كنت بأرضي، ودخّلت بقراتي على أرضهم، طمعت بزرعهم، كان طويل وأخضر. بعد خمس دقائق جاؤوا منهم اثنين، الخواجا زيف والخواجا داوود، كانوا فوق راسي على خيل. كل واحد معه بارودة. أنا كان معي فرد فلّين. تقليد. حشروني بين الحصانين. لوحت بالشبابة والخيل صارت تجفل. صاروا بدهم يمسكوني ويضربوني. كان معي مسدس بلاستك، فلّين، سحبته وأطلقت النار منه، بسّ صوت، هربوا ودفعوا البقرة بالخيل وهرّبوها ووصّلوها للمستعمرة. أخذوها. بعثنا أشخاص من البلد للمستعمرة ليسترجعوا البقرة ولكن دون فائدة. بالنهاية قالوا اليهود لازم أبو العون يدفع خمس ليرات. فدفعنا وأخذنا البقرة. قرب بلدنا ما كان مستعمرات أخرى.

التواصل مع البلدات الفلسطينية
كل الطرق التي كانت حوالينا كانت ترابية. أقرب طريق معبدة كانت خط يافا – دير سنيد – دمرة - بربرة – بيت حانون – غزة. كنا نروح إلى غزة أو المجدل مشياً أو على الحيوانات, كان بعض الناس يركبوا من عند دير سنيد بالباص ويروحوا على غزة. كان اسم شركة الباصات "دانية". أنا كنت أروح على الحمار. ولا واحد من بلدنا كان عنده سيارة. ولا شاحنة ولا حاجة. كان شخصين عندهم عربات مجرورة بالخيل لنقل القش والحشيش. كان ثلاث أربع "بسكليتات" ببلدنا. أول واحد جاب بسكليت كان اسمه عبد الهادي. كانت البسكليتات عندنا هجنة.  كانوا هذول يشتغلوا عند الانجليز وكانوا يروحوا للشغل على البسكليتات. للنقل أيضاً استعملنا الجمال والحمير والبغال. كانت محطة قطار في دير سنيد. القطار كان يوصل لمصر. بس احنا استعملناه حتى نسافر ليافا أو لغزة ولرفح. أنا ما ركبت القطار في تلك الأيام. ركبت قطار بس بعد ما هجرنا. الباص كان يمر جنب بلدنا الصبح ويرجع العصر. كان الموقف عند الواد الكبير. كان بركّب من نجد ودمرة ويروح لبيت حانون وغزة. الطريق كان ترابي.

قبل النكبة، بالإضافة لغزة والمجدل، زرت يافا وتل أبيب. خالي أخذني معاه، خالي أخذ بيارة بالشيخ مونّس كانت لواحد ألماني ترك البلاد بعد ما انكسرت ألمانيا.

العائلات
البلد تنقسم إلى أربع أقسام حسب الحمائل. حارة دار زيد، حارة دار زملط، حارة دار عابد، حارة الشمالة. من دار زيد كان عدة عائلات: الكتري، عزيز، زيادة، صالح. ومن دار عابد كان عائلات أبو زيدان، ابراهيم، وبدران. ومن الشمالة: فرج الله، المجدلاوي، الحوّ ( ومنها عائلة جبر وأبو لبن وبلاص). احنا دار أبو عون نتبع لدار زيد، أصلنا مصريين. كان عائلات مصرية أخرى مثل دار أبو طبق ( من دار زيد).  بالبلد كان مختارين، مختار من دار زيد اسمه محمد عبد الرازق عبد الحافظ، ومختار على الشمالة من دار فرج الله اسمه عثمان عبد القادر عثمان. كان عند كل مختار مضافة. وكان عند العائلات الصغيرة أيضاً مضافات. حول بير البلد كان ساحة عامة لأهل البلد، كانوا الشباب يقعدوا فيها.

الآثار
وكان بالبلد خرب أثرية اسمها زيتا، وبير الراس. احنا ما عملنا حفريات، ولكن كان ييجي أجانب مع خارطة وموتورسيكلات. مرة واحد أجا على نجد مع خارطة وطلب أن يحفروا في مكان معين واكتشفوا هناك دار أثرية تعود لزمن الرومان. صارت الحرب مع اليهود وطلعنا وتركنا كل شيْ. ما بعرف شو صار فيها.

التعليم
مدرستنا كانت بين الوادين. كانوا طلاب من نجد يدرسوا عندنا.  بالأول المدرسة كانت للصف الرابع بغرفة واحدة، بعد الصف الرابع كان أولاد بلدنا يروحوا يتعلموا في البرير للصف السادس. وقسم أكملوا التوجيهي في غزة. وبعدها رفعوا مدرستنا للصف الخامس وصارت غرفتين، وكانت مبنية من باطون. في الصف الرابع كنا 12 طالب. يمكن في الصفوف الثانية كان حوالي 15 طالب في الصف. أنا تعلمت في الصف الخامس ثلاث شهور وكانوا يعلمونا انجليزي، "بنسل" و"تشير" أشياء مثل هيك.  بعدين أبوي أخرجني من المدرسة لأرعى بالبقر. كانت مدرسة أولاد. بنت واحدة فقط كانت تتعلم معنا، هي بنت المعلم. المعلم كان غزاوي اسمه رشيد الغندور. كان ساكن في بلدنا، وبنتين من بناته، زيدب ووداد، تزوجوا بسمسم.  والله أعلم انهن عايشات لليوم في غزة. لما صارت المدرسة للصف الخامس جاء معلمين جدد للمدرسة، أجانا أمين عبد الحافظ من نجد، كان متعلم للصف السابع وعينوه مدرّس، وواحد من المجدل نسيت اسمه ومعلم من غزة اسمه سعيد. كنا نتعلم عربي وحساب وقرآن وجغرافيا وتاريخ وانجليزي. وكنا ننشد نشيد الصباح. المدرسة كانت تابعة للمعارف وكان المشرف ييجي من غزة بسيارته. كان بالمدرسة مقاعد وكتب ولوح. مدرسة عادية.

الدين
المسجد كان بوسط البلد وكان مبني من الحجر. موجود عند البير. كانت له قبة ومئذنة قصيرة ومحراب. أرضه من البلاط الكبير وكان مفروش بالحصر. وكان يتسع لحوالي مئة شخص. وكان في ساحته قبر للنبي دانيال بس اليهود أجو ونسفوه وخلّوا حجارته تطير. مؤذن الجامع كان عبدالله الشيخ محمد وأخوه عبد السلام، وأبوهم كان الإمام، هو الشيخ محمد الكتري، كان أزهري. كان عملهم لله دون راتب. ولكن كانت أرض لقبر النبي دانيال فكانوا يأخذوا من حبّها. كانت أرض وقف وكان الناس يزرعوها ويوزعوا محصولها. كان أهل البلد والمخاتير يعطوهم مونة السنة مقابل خدمتهم . كان بالجامع حمّام ومتوضأ وساحة خارجية واسعة كبرها حوالي 20 / 40 متر. بس اليهود نسفوه. قبر النبي دانيال كان مزار مقدس وعليه غطاء لونه أخضر. كان الناس وخاصة نسوان البلد ينذروا عند قبر النبي دانيال. كان ناس من خارج البلد يزوروه. كانوا ييجوا من دير سنيد ونجد وبرير وبربرة ومن البلاد المجاورة. كان الشيخ الكتري وعائلته مسؤولين عن المقام. كان عندنا مجموعة صوفيين، منهم خالي. وكانوا يدقوا العدة ويعملوا طقوس. كانت القرى المجاورة تطلبهم ليعملوا عندهم الطقوس. وكانوا بالجنازات يدقوا العدة.

الصحة
ما كان بالبلد عيادة أو مركز صحي. كانت عيادة حكومية في برير. وبآخر مدة عند الدكتور اليهودي. عالجنا أخوي عنده. كان هذا في سنة 1947. أخذه أبوي على الحمار. كنا نروح إلى غزة أحياناً، ولكنها كانت بالنسبة إلنا مسافة طويلة. كان هناك المستشفى المعمداني. وكان طبيب مشهور اسمه حيدر عبد الشافي. ببلدنا كان الناس يستخدموا الطب العربي مثل الكيّ  والتجبير وأكياس الهوا وغلي الأعشاب مثل الميرامية والجعيدة والشيح. وكان المشايخ يخرّجوا بالقرآن. ولحالات الولادة كان بالبلد دايات اثنتين. وكان المدرّس رشيد الغندور يشتغل أيضاً كمطهّر. بشكل عام الأمراض كانت قليلة.

الماء
بالنسبة للماء. كان عندنا بير. وكنا ننشل منه ميّ. كنا نربط على الجمل دلو كبير مع حبل طويل لأن البير كان عميق جداً، يمكن خمسين متر، كان الجمل يمشي ويرفع الدلو الملان بالمي. كان الدلو يتسع ست أو سبع تنكات. وكنا نصبّ الميّ (بالقلبة) يعني الخزان المبني عند البير. من الخزان كانت ثلاث  أربع حنفيات ومنها نعبّي ميّ للشرب. كنا نستعمل جرار من فخار. غير هذا كان بالبلد ست أو سبع بيارات، وكل بيارة لها أصحابها. البير كان تابع لكل البلد. بحالة خراب أو عطل في البير كنا ناخذ ميّ من بيارات الناس. بير البلد كان نبع. أما البيارات فكانت محفورة لتخزيد المياه. كانت محفورة لريّ الشجر والبساتين.  كان شخص معين كمسؤول عن البير.  كان بالبلد لجنة مع المخاتير، واللجنة كانت تعين من يشتغل بنشل الميّ وإدارة البير. كان تتجمع ميّة الشتا ببركة بأرض منخفضة لمدة شهرين ثلاث. كنا واحنا صغار نسبح فيها. وكنا نستعملها لسقي الدواب. حول البير كانت بركة مبنية لتجميع المياه فيها وحولها أحواض لسقي البهائم. كانت بالبركة فتحات لتعبئة الأحواض وكان الناس يستعمل الشرايط لتسكيرها. كنا أيضاً نسبح بهذه البركة. كان عندنا كفاية ميّ. كانت الناس كلها تاخذ حاجتها. كنا نعبّي ميّ بساعات الصبح وساعات بعد العصر.

المعيشة والاقتصاد

كنا نضوي البيوت بسراج يشتغل على كاز وفوانيس صغار تشتغل على زيت. بآخر فترة بعض الناس اشتروا فانوس كبير وفيه لامبة وحولها قزاز. كان ضوءها جيد. واستخدمنا بآخر مدة "لوكس مع شنبر". ما كان كهرباء. المستعمرة اليهودية كان فيها موتور. الانجليز كان عندهم كهرباء ليل نهار. للتدفئة كنا نستخدم الحطب. وللطبيخ كنا أيضاً نستعمل نار الحطب والطوابين. بابور الكاز ما استعملناه كثير. كان بالبلد ملحمتين، واحدة لوالدي. كانوا يذبحوا مرة بالأسبوع بقرة أو جمل ويبيعوا. وإذا كان يظلّ لحم كنا نعلقه بالهواء. كانوا يذبحوا عادة بقر وجمال. الخرفان كانت للمناسبات.  كنا نخبز خبزنا على الصاج وعلى الطابون. بكل بيت كان طابون. وكل بيت عنده قمح من أرضه يكفيه كل السنة.

كان بالبلد عدة دكانين. والدي كان عنده دكان. وعبد الرازق الكتري وحسن البسيوني ومحمد الأعرج وعبد الهادي قطيط من دار فرج الله وموسى علي صالح. كانوا يجيبوا بضاعتهم على الحمير أو على الجمل من غزة والمجدل. كان بالبلد راديو واحد عند عبد الرازق الكتري. كنا نسمع أغاني وأخبار. وبنهاية الأمر كنا نشتري جريدة من المجدل أو من غزة. وكان يقرأها رباح سليمان ، كانوا يتجمعوا حواليه الختيارية. كنا نشتري جريدة فلسطين والدفاع. كان هذا سنة قبل التهجير. وكان عندنا ثلاث حلاّقين. كان نسوان يشتغلوا خياطات، وكانوا يستعملوا ماكنة يدوية. والقماش كنا نشتريه من تجار ببجوا على بلدنا من المجدل. واحد منهم كان له على الناس ديون، وصارت النكبة فكان يطالب بحقه واحنا مهجرين بجباليا. بالنسبة لبناء البيوت كان أغلب الناس يبنوا بأنفسهم، يبنوا حيطان عرضة من حجر وطين. بعض الناس كانوا يجيبوا ناس متخصصين بالبناء.

الترفيه
واحنا صغار كنا نلعب ألعاب كثيرة. كنا نعمل طابة من علبة تنك صغيرة، كنا نلفها بشرايط ونعمل فريقين ونحمل عصا ونضرب الطابة حتى ندخلها في قناة الفريق الثاني. وكنا نلعب الزقيطة، وبنانير، والغماية، والحجلة. والبنات كانوا يلعبوا مثلنا. كان شخص ييجي من برّة معاه صندوق العجب ويحكيلنا قصص. الكبار كانوا يلعبوا سيجة وشدّة. وبالشتاء كانوا يلعبوا صينية، فيها فناجين ويخبوا تحت واحد منها خاتم ويتبارزوا مين يعرف مكان الخاتم. كانوا النّوَر ييجوا على البلد ويظلّوا حوالي أسبوع. كانوا يسكنوا ببيوت شعر جنب البلد ويدخلوا البلد يعملوا حفلات ويرقصوا بساحة البلد ويلعبوا ألعاب بهلوانية ويلمّوا فلوس، وكانوا يجيبوا معهم قرد أو سعدان لتضحيك الناس. وكانوا النّور يشتغلوا أيضاً عند الناس، وكانوا يركبوا اسنان ذهب للنسوان. واحد من النور استقر عندنا في البلد وصار يقول إنه من سمسم. ابنه درس معنا بالمدرسة وكنا نقول "ابن النوري".

الزراعة
كنا نزرع قمح وشعير وذرة وحمص وسمسم وحلبة وكرسنّة وجلبانة وعدس وفول. كل واحد بأرضه. ومن الخضروات كنا نزرع بندورة وكوسا وخيار وملوخية وفلفل وباذنجان وبامية وزهرة. هذي زراعة مروية. ومن الزراعة البعلية كان بطيخ وشمام. ومن الفواكه كان عندنا جميع الأنواع: خوخ وبرقوق وعنب وتين ومشمش وصبر. كل حاكورة كان حولها صبر. ومن الحمضيات زرعوا الناس بالبيارات برتقال وبوملي وليمون. كان تراكتور ييجي بالسنة مرّة ليحرث الأرض العطشانة، وباقي الحراثة كانت على عود الحراثة مع الدواب. كانت الناس تساعد بعض. إذا واحد تأخر بعمل معين ييجوا كل الناس يعينوه حتى يخلّص شغله بيوم واحد. 100 – 200 شخص يساعدوه. النسوان كانت تشتغل مثل الرجال. كنا نطحن قمح في برير ونجد. عندنا ما كان مطحنة. الحكومة البريطانية ما كانت تقدم مساعدات، بل كانت تاخذ ضرايب من الناس. بكل بيت كانوا يربّوا دواجن مثل الحمام والدجاج. وكان في القرية ست سبع عائلات تملك أغنام وحلال بكثرة. باقي الناس كان عند كل بيت عدة رؤوس من الدواب. كان عائلتين يربوا نحل: دار عابد وعبد القادر أبو سعدة.

البيت
كان لنا فقط 15 دونم أرض. لكن حياتنا كانت جيدة. كان عندنا 5 بقرات وجمل. أبوي كان عنده دكان. بيتنا كان مبني على دونم أرض. أبوي بنى سنة ال 46 أو ال 47 مضافة صيفية جنب البيت وسقفها بخشب الكينا وبعدين أضاف فوقها قصب الذرة وغطاها بطينة. بيتنا كان ست غرف. صف واحد. منها غرفة للبقر وغرفة للجمل. وللعائلة أربع غرف. كنّا نخزن الحبوب بالخوابي عند دار سيدي.  بيوت البلد كانت من طين، كان فقط بيتين من حجر، واحد للحاج حسين عابد. كل البيوت كانت من طابق واحد. قسم منها مع أقواس. كل دار كان فيها حوش. أوراق الأرض والطابو مع أخوتي بغزة. معي هون شهادة ميلاد أطلعتها وأنا بمصر سنة ال 53. 

المناسبات الدينية والاجتماعية
رمضان كان مهم عندنا، الناس تصوم وتعمل إفطار جماعي بالمضافات ويصلوا صلاة التراويح، كان عندنا مسحراتي اسمه الشيخ محمد موسى صالح. يوم عيد الفطر كانوا يصلوا صلاة العيد عند المقبرة. كل الناس تعيّد على بعض، يزوروا الأموات ويلفّوا بالبلد، ويزوروا الأرحام، كانوا يعطوا الأرحام  حلقوم أو فلوس. على المقبرة كانوا الناس يوزعوا تمر وقطّين. بالعيد كانوا يعملوا كعك بعجوة. بعيد الأضحى كانت كل البيوت تذبح أضحية. عيد مولد النبي كانوا يحيوه المشايخ بالجامع ويدقوا العدّة. كنا نحتفل بخميس البيض، نسلق بيض مع ورد أحمر ويصير لون البيض أحمر. كان في احتفال اسمه الموسم، كنا نروح على المنطار عند البحر، قريب من الخصاص والجورة ونعليا، كانت الناس من كل البلاد تيجي، يقيموا حفلات ورقص ودبكة وغنا وينزلوا للبحر، وكان فيه مراجيح، وأكل ومشتريات. منتزه كبير فيه ما تشتهي عينك. والحج كان مهم كثير. اللي كان ينوي الحج كانوا يغنوله ( النسوان تحنـّنله) شهر قبل ما يسافر وشهر بعد ما يرجع. وكان يقعد بالسفر حوالي شهر. كانت الناس تودعه عند دير سنيد، هناك يركب القطر للإسماعيلية بمصر ومن هناك ياخذ باخرة بالبحر.  أذكر الحاج عياد عزيز. بعد ما يرجع كنا نستقبله وأكثر من شهر الناس تعمل ولايم وذبايح.

المقبرة موجودة شمال البلد. مقبرة واحدة عندنا. لما يموت واحد من البلد كل الناس كانت تعرف بسرعة والكل يروّح. صلاة الجنازة كانت تتم بالجامع أو عند المقبرة. النسوان ما كانت تشارك بالجنازة. وكان يصير ثلاث أيام عزاء. عائلات من البلد كانت تحضّر أول يوم أكل لأهل الميت. 

الانتداب البريطاني
بزمن الانتداب كان الجيش البريطاني أحياناً يفرض طوق على البلد من ساعات الصبح الباكر، كانوا ينادوا بالميكرفون لكل أهل البلد تطلع من بيوتها وبعدها يدخلوا ويفتشوا عن سلاح بالبيوت. بدون ما يضرّوا أحد. ولكن خلال إضراب ال 36 سمعت إنه كان الانجليز شديدين. ببلدنا ما شعروا بالإضراب. أما شباب البلد فكانوا – حسب ما سمعت -  يطلعوا للقرى القريبة من الخط الرئيسي. احنا ما تأثرنا من الاضراب. اللي كان يمسكوا معاه سلاح كان عقابه شديد. الانجليز هم اللي ذبحونا مش اليهود. كانوا على "موس كبّاس" يحبسوك سنتين. أما لليهود فكانوا الانجليز يعطوهم سلاح بكثرة. احنا أعطونا عشر بواريد لكل البلد، بادعاء حماية البلد. طبعاً هذا ما فادنا إشي. كان بعض الناس يشتروا بواريد من مصر ولكن كان سلاح خربان.  

المجازر والهزيمة
بالنسبة لليهود، صرنا نشعر إنه اليهود بدهم ياخذوا فلسطين، وكنا نسمع عن وعد بلفور، بس كنا مقتنعين إنّا قادرين عليهم. مع الوقت اكتشفنا ضعفنا وقوتهم. لما دخلت الدول العربية كانت هزيمتنا شنيعة. سلاحنا كان قليل ومعهم سلاح كثير. مرّة سمعنا إنه اليهود هجموا على برير لأنه ثوار من برير اعترضوا قافلة لليهود. صاروا اليهود يطخّوا على برير وأهل برير يدافعوا. فزعنا نساعد أهل برير. حملنا الموجود: عصا ودربان وسيف وبارودة. ما كنا منظمين وما كان أحد يرشدنا. راحوا اليهود عملوا خطة كيف يحتلوا برير. طوّقوا البلد من ثلاث جهات وتركولهم منفس عالشَّمال حتى يهربوا لحليقات وبعدها لبطيمة. طوّقوا برير الساعة ثنتين بالليل. وهجموا عليها. شردت أهل برير بملابس النوم. مسكوا من مسكوه وقتلوا من قتلوه والباقي نفد. أهل بلدنا لاقوا الشخص الأطرش اللي كان يشتغل في بابور (مطحنة) برير، سألوه شو صار؟ قال: راحت البلد وجابوا حوالي خمسين واحد على جنب البابور وقتلوهم. واحد من المقتولين كان من بلدنا، عطا الله ذيب زملط. لما سمعنا الموضوع رجعنا. بعد هذي الحادثة شردت حوالي 14 قرية: حليلات، كوكبة، بطيمة، بيت جرجا، الجية، سمسم، نجد، هوج وغيرها. شردت كل الناس، ظلوا الشباب ولكن عالفاضي. يوسف الكتري، من بلدنا،  وجماعته حطّوا مرة لغم، كانت تمرّ لليهود امدادات، فقع اللغم بمركبة. صار اليهود يطخـّوا على البلد وشباب البلد صاروا يردّوا عليهم، من دبة عالية ببيارة لدار عابد، تبيّن إنه اليهود عاملين خدعة والاتصالات عندهم قوية، فكانوا محضرين دبابات وأجوا من ورا البلد. أغلب أهل البلد كانت شاردة من حادثة برير، أطلعوا الأولاد والنسوان من قبل. اليهود كانوا مطوقين البلد واحنا مش عارفين. لما شافوا الدبابات من بعيد وشفنا البلد مطوقة رحنا شاردين باتجاه الواد واليهود لا زالوا يطخوا علينا. قتلوا منا أربعة.  الدفاع عن القرية ما كان منظم. اللي شاركوا بالدفاع كانوا أقل من خمسين. بعد هيك، أجوا جنود أردنيين وسألوا عن اللي حصل وراحوا. كنا بنينا استحكامات وخنادق بالبلد احتياطاً لأننا كنا سامعين إنه اليهود سيهجموا. يوسف الكتري كان مسؤول عن الاستحكامات. كانوا الناس يتناوبوا على الحراسة. كان عمري 13 سنة. ما كانوا يقبلوني معهم. شرّدنا النسوان والاولاد بعد برير من الخوف، شرّدناهم على دمرة ودير سنيد. كانت برير بلد مركزية بالمنطقة.

اليهود كانوا منظمين ومعهم ذخيرة. بيننا ما كان تنسيق. وكل بلد كانت بالأساس مشغولة بحالها لأن اليهود ما كانوا يتركوا بلد بحالها. سمعنا عن دير ياسين من الجريدة. الهجوم على برير كان بعد دير ياسين. أحداث منطقتنا كنا نعرفها مباشرة من الناس. يوم ما طوّقوا البلد والدي كان في الأرض جنب المستعمرة، ظل هناك حتى غابت الشمس، لما روّح وشاف أهل البلد شاردين، لحق. أنا وأخوي وزوجته كنا بالكرم نلقط عنب. أنا صرت أجري. صار الهجوم بعد الظهر. هجموا علينا بالرشاشات وببنادق ألمانية. استخدموا مصفحات أما طيارات فلا. وحتى ضد برير ما استعملوا طيارات. هجموا علينا من الغرب ومن الشمال. تركوا الجنوب والشرق مفتوح وهربنا منه. كنا أغلب رجال البلد هناك وقليل من النسوان. إطلاق النار كان كثيف ومخيف. كنا حوالي 600 شخص. الهروب كان بهلع وخوف.

دخلوا البلد ولقوا فيها حوالي 20 ختيار. كل المسلحين اجتمعوا في دمرة. اليهود اقترحوا على الختيارية تسليم سلاح البلد ونرجع على بلدنا، المناضلين رفضوا، فحرق اليهود البلد. حرقوا البيوت والجرون والزرع، بسمسم وبكل البلاد.  بعد ما دخلوا البلد قتلوا اثنين واحد أعمى كان متخبي فقتلوه. وعبد الهادي أبو سعدة، ختيار مسكوه متخبي بالجامع وقتلوه. لما الناس هربت راحت تنام بالخلا، أخذوا معهم فقط أشياء خفيفة للنوم. وبعد هذه الفترة مسكوا بنت من دار حمدني كانت توصل أكل لأبوها المتخبي بالبلد. مسكوها وذبحوها. واثنين مسكوهم بالكروم قتلوهم وقطعوهم تقطيع. اللي كان يمسكوه كانوا يقتلوه. في أمّ تركت بنتها بين القمح من الخوف، بالليل لما ناس رجعت تشوف البلد سمعوها تبكي فأنقذوها. سكنّا بدمرة حوالي سبع شهور. وكنا ندخل على بلدنا كل يوم، ناخذ أغراضنا وزرعنا. كثير منا استشهدوا. سبعة من عائلة واحدة، كانوا اليهود ملغمين البلد. راح واحد بالبداية، صالح محمد صالح وانقتل فراحوا أربعة يجيبوه وانقتلوا أيضاً وبعدهم اثنين آخرين. وغيرهم انقتل كثير ناس بمحاولات دخول البلد. أغلبهم ما كان أحد يدفنهم. وأنا تعرضت كثير مرات لإطلاق نار من اليهود.

التهجير والنكبة
هجم اليهود على دمرة لاحتلالها وطردنا. كان معنا الجيش المصري. كانت معركة استمرت سبعة أيام. انقتل من الجيش المصري حوالي خمسين جندي. الناس شردت من دمرة ومن دير سنيد ومن بيت حانون. بعدها صار اتفاق واليهود أخذوا الفالوجة والمصريين أخذوا بيت حانون. احنا رحنا سكنـّا في بيت لاهيا. فكـّرنا إنه اسبوعين ثلاث ونرجع. لليوم أذكر بلدنا بيت بيت. كان أهل بلد اللي كنا نلجأ لها كانوا يقدموا المساعدة والأكل. وسكنـّا في مخيم جباليا حتى سنة 1952. قدمت وكالة الغوث مساعدات مثل الخيم والأكل، بعد هيك بنوا للاجئين غرف مثل كشاك، حيطان من طوب وسقف من قرميد. لكل 4 أو 6 أشخاص غرفة.  ولا زلنا لاجئين.     

--------------------

جمال  اسماعيل محمد أبو عون - "ابو فتحي"
ولد في قرية سمسم سنة  29.4.1934
حالياً يقيم في مخيم حطين – الأردن
تاريخ المقابلة 6 نيسان 2008
أجرى المقابلة: ركان محمود
منقولة عن الموقع الالكتروني: فلسطين في الذاكرة
www.palestineremembered.com
قام بتفريغ المقابلة: عمر الغباري - زوخروت (ذاكرات)

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية