فطوم إبراهيم سعيد (إم غازي)
31/07/2009
فطوم إبراهيم سعيد, لاجئة من البروة وتسكن حالياً في قرية جديدة

في قرية الجديدة التقيت بالحاجّة فطوم إبراهيم سعيد (أم غازي) التي ودّعت قبل أشهر معدودة زوجها محمد نجم (أبو غازي) لتطوي حقبة زمنية تضاف إلى رصيد معاناتها منذ رحيلها عن مسقط رأسها قرية البروة المهجّرة.

وكما هو الحال عند لقائي مع مُهجّرين آخرين كانت كلما تحدّثت عن طفولتها عشية النكبة أو تتذكّر لحظات الرحيل الصعبة، تبكي وتنهمر الدموع من عينيها دون استئذان لتؤكِّد أن حنينها للبروة وحلمها بالعودة لن يموت أبداً.


 أنا باقي في البِروِة وبَسْتَنّاكوا

قبل أن أطرح عليها أي سؤال اختارت أم غازي أن تبدأ كلامها عن لحظة هروبها مع أهلها يوم نكبة البروة وكأن لسان حالها يقول بأن تلك اللحظة هي أصعب ما تسجّل في شريط ذاكرتها من مآس وآلام وقالت: كنت صغيرة، عُمري ما بِزيدْ عن تِسعْ سنين، كان الوقت بين الظُهُر والعَصِرْ.. أجوا قالوا إنُه اليهود فاتوا عالبلد، ساعِتها كانو خَواتي جميلِة وآمنِة يِمَلّوا مَيّْ عالغَرْبي.. أجا أبويْ طلب من أخويْ نَظمي يِروحْ يِجيب خَواتي عن العينْ.. قلت: وين ساكن أخوكي نظمي اليوم؟.. كَمْدَتْ إم غازي أنْفاسْها وقالت: آآآآخ جاييتَك بِالحكي، اللي صار فينا مِشْ قليل، ذُقْنا حَسرات كْثيرِة والجُرح غميقْ.. أخويْ نَظمي شَمَّلْ وِتوفّى في سوريا.. المهم راح أخويْ نَظمي الله يِرْحَمُه عالعين، كَبّْ المَيّْ عن روسْ خَواتي ورِجْعوا عَالبيت، سيدي قال بَدّْكوا إنتو تِطْلَعوا الله يْسَهِّلْ عَليكو بَسّْ أنا باقي في البِروِة وبَسْتَنّاكوا حتى تِرْجَعوا. تَرَكنا البيت وِطلِعنا على أرض بِقولولْها (المَنازِلْ) شَرْقِيّْ البلد وبِتنا هَذيكْ الليلِة تحت الزَتونْ لَنُصّْ الليل وما حَسّينا إلاّ الضَربْ بَلَّشْ عَلينا مِن تَلا الدامون وشعب، قُمنا نْزِلنا من المَنازِلْ في الوادي حُفّا بَلا كنادر لأرض شعب، يوم يِقولوا اليهود احْتَلّوا البِروِة يوم لأ، وقَعَدنا تحت زَتون شعب حَوالي عِشرينْ يوم.. بِالليل صاروا يِطُخّوا علينا مِنْ ميعارْ. صارْ أبويْ يِكَرْكِرْ فينا تَوْصِلنا على مجد لِكروم وقَعدنا خَمِسْ تُشْهُر في زتون مجد لِكروم تَصارْ الشِتا، راحْ أبويْ شافِلْنا خَلْقِة بَرّاكِيِّة وقَعَدنا فيها اتْنَعْشَرْ يوم، بَعِدها أجوا اليهود اسْتَحَلّوا مجد لِكروم.

مات ابراهيم مات ابراهيم

قلت:ليش اتنَعشَر يوم، وين رُحْتوا بعدينْ؟... إم غازي: لما فاتوا اليهود على مجد لِكروم، طَوَّقوا البلد وأخذوا الزلام وجَمّعوهِن عالعين. أبويْ كان معنا في البرّاكيِّة يُفرُم دُخاناتُه، أجَت وَحَدِة من جيرانّا قالت لأبويْ: ليش بَعدَكْ يا عَمّي ابراهيم قاعِد هون؟ اليهود مْطَوْقين البلد وِاللي بِلاقوه في البيت بِبَهِدلوه... ترك أبويْ الدُخّانات وَقَّفْ وقالها: معاكي حَقّْ، طيِّبْ تَأروحْ أطْلَعْ مِثلي مِثِلْ هَالزلام. بَسْ طْلِعْ أبوي من البراكِيِّة، زَيّْ مَتْقول إمي عارفِة وحاسِّة إنُّه بَدُّه يْموت، صارتْ تْلُطّْ على حالها وِتْصَرِّخْ وِتقول: مات ابراهيم مات ابراهيم مات أبو نظمي.. وبِالفِعِلْ اجوا اليهود صًفّوا سَبعْ زْلام عَالعينْ، بينهِن أبويْ وطَخّوهِنْ كومْ واحد، أبويْ استشهد إبن 47 سِنِة.

سألت: بْتَذكري أسماء اللي استَشهدوا مع أبوكي؟... إم غازي: بَذْكُر ابو مَعيوفْ وبَذكُر العوجْ من دار كَيّال ومحمد العَرّابي من شعب وولد لدار محمد طه من شعب وأبويْ، الباقيين ما بَعرِفْ أسمائْهِنْ.. إحنا كُنّا مْسَكّْرين البرّاكيِّة ومِتْخَبّْيينْ فيها، طَلّت إمّي من البراكيِّة إلا هِنِّ مْحَمِّلين أبويْ عالحمار وجايين، لمّا شافَتُه زَعْقَتْ هذاكْ الصوت، قاموا اليهود طَخّوا عليها، الرصاصَة أجَتْ قُدّامْها عالأرضْ ومن هذاك الوقت صارت إمي كُلّْ سِنِة بْنَفسْ التاريخ تْصَفْرِنْ وتِقَعْ عَالأرضْ، تْصِكّْ سْنانها ولا تْعود تِحكي ولا تِشْكي لسيعَة أو سيعْتينْ وِتعودْ تِصحا، وظَلّتْ على هايْ الحالِة حتى الله أخذْ وْداعِتها.

كان يِجيبِلنا كنافِة ونمّورة من نابلس بالسَفَرطاسْ

قلت: احكيلي عن حياة أبوكي أبو نظمي؟...إم غازي: حياة أبوي كان يشتغل بوليس عأيام الإنجليز ومدَبِّر حالُه.. واللهِ إنُّه الجَوافَة ما عْرِفْناها وذُقناها بهذاكْ الوقت إلا من شُغل أبوي. بَقينا نروح نِستنّاه لما يروِّحْ من الوظيفِة عِند لِمْجاوْبِة تحت الخرّوبِة وين اليمنيِة ساكنين اليوم، هناك كان محطة للباص اللي بِنزَلْ مِنُّه. كان دايماً يِميِّلْ عالمنشيِّة ويِشْتريلنا بُرْدقان ومندَلينا يجيبها بِشوالات خيشْ صغيرِة. نِحمِل الشوالات وِنروِّح عالبيت. كان يوخُذ معاه مرّات سَفَرْطاسْ (وعاء لحفظ الطعام)، يِوصّي واحد من نابلس يِجيبِلنا كنافِة ونمّورة من نابلس.

أبويْ استشهد بمجد لِكروم وأخويْ وأُختي ماتوا بْسوريا وسيدي مات في البِروِة وهايْ زَلْمَتي مات في جديدِة

قلت: بعد ما استشهد الوالد في مجد لِكروم كيف صارت عيشِتْكو؟... إم غازي: كنا عايْشين من القِلِّة.. أبويْ قبل ما استشهد، قال لأخويْ لِكبير نظمي: أنا يابا كنت أشتغِل عند الإنجليز ومعايْ هويِّة بِصِرْشْ عَلَيّْ إشي، إطْلَعْ إنتي على لبنان وشوفِلْنا كيف الوضع هناك إذا كانت العيشِة منيحَة بَلْحَقَكْ وإذا ما تْدَبَّرتْ الأمور بَجيبَك وبَرَجّْعَكْ. وفعلاً  طلِعْ نَظمي على لِبنان، قامت أُختي الصْغيرِة العَزابِيِّة، كان عُمُرها 12 سِنِة قالت بَدّي ألْحَقْ أخويْ أغْسِلُّه أواعيه، مين بَدُّه يِشتْغِلُّه هناك بِالغُرْبِة ويِساعْدُه! ولِحْقَتُه. أما أُختي نبيلِة قبل استشهاد الوالد بـ12 يوم، رِجِعْ جوزْها أحمد الجودي من لبنان وأخَذها وشَمّلوا. وهايْ حالِتنا وعيشِتنا، أبويْ استشهد بمجد لِكروم وأخويْ وأُختي ماتوا بْسوريا وسيدي استشهد في البِروِة وهايْ زَلْمَتي مات في جديدِة قبل أكم شهر وأبوه حياة عَمّي كمان إلُه قِصّة، استشهد على زمان الإنجليز، الإنجليز قَتلوه وعاشْ يا حرام بَلا أبو.. وإمُّه تْغَلّبَتْ في حياتها.

اليهود طَخّوا سيدي في الحاكورَة

قلت: كيف استشهد سيدِك إحمد محمود نِجم في البروِة؟... إم غازي: أجوا قالولُه: اليهود يا بو ابراهيم بَدّْهِن يِحتَلّوا البروِة يلاَ تعال إطلع مع أهل البلد.. قال: إطْلَعوا إنتو، أنا باقي هون ومِشْ طالِع.. أنا في بيتي وفي بلدي أروح أطلَع أتغرّب في بلاد الخلق؟! مِِشْ طالِع يعني مِشْ طالِعْ...قللُّه أبويْ: إسمَع من الله ومنّي واطلَعْ مَعنا يابا.. ما كان سيدي يِرُدّْ عليه وظَلّْ هو وأكمّْ خْتيار من البِروِة في البلد. لما فاتوا اليهود كان سيدي في الحاكورَة نادوا عليه، بَسْ ما سِمِعهِن لأنُّه سَمَعُه كان خفيف، قاموا طَخّوه وقتلوه هو وكمان خْتيارْ مسيحي إسمُه رَضوان يمكِن من دار سَكَسْ طَخّوه في محل ثاني في البلد وقبروه مَحَلُّه، حَدّْ خَشبِة التلفون.. شو بَدنا نِعمَل يا خالتي يعني من ما خْلِقنا ما شُفنا يوم مِسعَدْ، الحمد لله على كل شيء.

إن اشْتَرينا فِسْتيان مِثل الناس نْعَيِّد حافْيين 

قلت: ما التَقيتي ولا مرّة بأخوكي نَظمي؟... إم غازي: في الـ2001 طْلِعت لَحالي أشوف نظمي في سوريا. وْصِلنا على الشام السيعَة 11 بالليل، أجا إبن أخويْ أخذنا، سيعِتها عْرِفْت إنُّه أخويْ كان مْريضْ ونايِم، وْصِلنا عِنْدُه عالبيت والسيعة عَشرَة ونُصّْ الصبح بالضبط تْوفّى، ما لِحِقْ يِحكي معايْ ولا كِلْمِة. الله لا يْوَرْجيها لَحدى هذيكْ السيعَة.. غَصَّتْ إم غازي بِالبِكا وقالت: من ما خْلِقنا وإحنا في العَذابْ يا خالتي.. بعد الاحتلال تْشَحْشَطْنا وجُعْنا وِالبِسْنا مْمَزَّعْ وِمْرَقَّعْ، البيضَة أو الجاجِة لِمْهَرَّبِة كُنّا نِشْتْهيها، نُكْرُفْ البلد كلها تَنلاقي جاجِة أو جوز زَغاليل. إن ذَبَحْ الواحد ذبيحَة يوخْذوها اليهود ويِصادْروها ويِعملوا محكمِة لصاحِبها. من السِنِة للسِنِة تَيوكُلْ الواحد نِتْفِة لَحمِة. بقى الجيشْ يِفوت عالبلد وين يْلاقي جاج يِذبَحوه ويوكلوه بِدون ما يِسألوا، إن اشْتَرينا فِسْتيان مِثل الناس نْعَيِّد حافْيين، حتى فْراشْ ما بِقي عِنّا، كنا نْنامْ على لِقْياسْ (الحصيرِة)... هيك بَقَت حياتنا يا خالتي، أبوي استشهد وتركنا وِاحْنا صغار، إمي كانت فقيرِة ما تِعرِفْ تْروحْ وتيجي، بَعدين لما الجوع قَتَلنا صارت تْروحْ مع نِسوان شَعَبْ على حيفا يِغِسلوا أواعي عِند اليهود عشان تْطَعمينا لُقْمِة أكل. شو بَدّي أقُلّك، ما ظَلّْ للواحد إشي، لا بيت ولا أملاك ولا بلد، كُلُّه راحْ.

وتابعت إم غازي: نسايِبنا دار عَمّي يُسري الجودي، سِنة مَستَحَلّوا مجد لِكروم مَكنشْ طحين وبَوابير كانت الناس تِطحَن على الجاروشِة، يِسِمْدوا الذُرة البيضَة عالجاروشِة ويِنَخّْلوها عالمُنْخُل، اللي يِنزَلوا من المُنخُل ناعمات تِعْجِنهِن إمي قراصْ (دْشاشْ) يِخِبزوهِن ويوكْلوهِن وِاللي يِطْلَعوا خِشْنات يِِخِلطوها مع العدس ويِعملوا منها مجدَّرة.

يَعني جديدِة أقرب شوَيّْ عالبِروِة، على الأقلّْ مِنْشِمْ ريحِتها 

قلت: طيِّب وبعدين؟... صَفنت إم غازي وتنهدت وقالت: بعد ما توَفّى أبويْ سَكَنّا يا خالتي في مجد لِكروم بالبراكيات حوالي 17 سِنِة شَحْشَطَة، وبعدين استَأجَرنا غُرفِة من موسى سَبِعْ وقعدنا فيها 11 شهر. يعني تْمرمَرنا كثير وفوق الذلّْ اللي ذُقناه وكل اللي صار فينا كانو كثار يِعَيْرونا بْكِلمِة لاجئ وهاي كانت أكثر شغلِة تِمْقِتنا. بعدين إمّي وإخوتي  واثنين من ولاد عَمّي اللي ظلوا في لِبلاد اشتَرينا سوى دونم أرض في جديدِة وسَكنّا حَدْ بعض، يَعني جديدِة أقرب شوَيّْ عالبِروِة، على الأقلّْ مِنْشِمْ ريحِتها... قلت: بعد الاحتلال حاولتي تزوري البروِة؟...إم غازي: شو بَدّي أروحْ أعمل يا خالتي! بعدين اليهود كانو يْخَلّوا حدا يْفوت! يعني كنا نِستغِلّْ يوم استِقلالْهِنْ ونروح نزور المقبرة.

عِند عَمّي السعيد كان شلعْة مِعزَى تْغَطّي عين الشمس

قلت: بتِتْذكّري البلد وحاراتها؟... إم غازي: جيرانْنا الباب بالباب كانوا دار مُصطفى هوّاشْ ومِنهِنْ وللقِبِلْ دار قاسم هواشْ ومِنهِنْ وللشرق كان الفُرِنْ، كانت المَرَة تِعْجِنْ عجيناتها وتودّيهِن عالفُرن يُرُقّوهِنْ ويِخِبزوهِنْ. البِروِة كانت مَعروفِة بِالطوابين. كان في بلدنا البير الغربي وعين لِمْغَيِّرْ الناس تِملي وتِشرب منهن. كانو يجيبوا العروس من الدامون لبير لِمغَيِّر ومن هناك تنزل الفاردِة مَشي عالبلد. عَزمان البِروِة كان الخير كثير. بَذكُر حياة أبوي الله يِرحمُه إلَكْ العُمُرْ، كان يجيب أباطْ اللحمِة، يِولّعوا الطابون، تقوم إمّي تْشَلِّخْ الضلاعات وِتْمَلِّحهِنْ، ما كان في بهارات زَيِّ اليوم وِتحُطّْهِن بالطابون تَيِصيروا حُمُرْ حُمُر مِستْوِيّات صُبحان اللي خَلَقْهِنْ ونوكُلْ من الذبيحَة ونِشبَع، واللي يْظلّْ منها ِيِحُطّوه عَالعُلَّقِيِّة، تكون معَلَّقَة بالسقف بِنُصّْ البيت، إنْ مَزَطوا مَحَمَّضوشْ يِنْتلوا من التراب اللي كان يِهَرْهِرْ من السقف، والناس كانت من القِلِّة ما يْهِمها توكل وتِشبع. عِند عَمّي السعيد كان شلعْة مِعزَى تْغَطّي عين الشمس، وقت الاحتلال أخذها وطِلِع على حوران على حدود لبنان، من السقعَة والبرد ماتت كُلّها عالطريقْ.

أُختي وأديبِة العودِة خَوات بِالحليب

قلت حافْظِة أسماء عائلات البلد؟... إم غازي: كان في البروِة دار كيال ودار درويش ودار الجودي ودار سعد وعائلات ناسيِة أسماءها.. في صاحِبْ لأخويْ إسمُه سامي إبن يوسف الحبيب، إسّا ساكن في كفرياسيف ما كان يْفارِقنا، كناَ الإسلام والمسيحية عايشين ومبسوطين وما كان حدا يْفْرِقنا عن بعض، ننام عِندهِن وِيناموا عِنّا، نوكل من عِندهِن ويوكلوا من عِنّا، كان لما هنِّ يِعَيْدوا نْعَيِّد مَعْهِن ولما إحنا نْعَيِّد كانو يِعَيّْدوا مَعْنا والحالِ وَحَدِة، حيطانّا وحيطانْهِن مُشتركِة بجنب بعض، كانوا دار جاد الرَضوان ساكنين حدّْنا، لَمّا نُسْلٌقْ شويِّة قمح نُنشُرهِن على سَطِحْ بيتْهِن لأنُّه كان عِندهِن غُرفِة سَطِحها مَصبوبِة بَطون وأغلب لِبيوت كانت من الطين والتراب. لِكنيسِة كانت مْلَزقَة بْحيط دارْنا، لما يْكَلِّلوا واحد أو عُمّاد أو عُرسْ كنا نُقعد على حيط جيرانّا دار جاد الرضوان ونِتفَرَّج. إمّي رَضَّعت بِنت جيرانّا أديبِة العودِة الله يرحمها أُخت فهد عودِة، لما كانت إمي تمرض توخُذ أختي لعند جارتنا ترضِّعها ولما كانت جارِتنا تمرض تِبعث أديبِة لأمّي ترضِّعها، يعني عاشت أختي وأديبِة خَوات بِالحليب.

 يا شَعْشَبون القَرِع ويا طيّبون الزرِعْ

واسترسلت إم غازي عن العيشة المشتركة بين مسيحيي ومسلمي البروة وقالت: كنا عايشين سوى ومتِّفقين، يعني متآخِذنيش كنا شباب وصبايا من الطرفين، نِتمَدَّد بالشارع ونْحُطّْ روسنا برجلين بَعَضنا وواحد يصير يِقول: يا شَعْشَبون القَرِع ويا طيّبون الزرِعْ.. بَطّيخْتي بأربع قشور فيها العلالي وِلِقصور.. إن كَنَّكْ ما بِتصَدِّقني إحمِلْ عَصاتَك وِالحَقني. يِقوم اللي نايِم يِلحَقُه يِروح هذاك يِنام محَلُّه.

مِضْيَتِلنا ايام يابو زيد مَحلاها

وتابَعت إم غازي وقالت بِحسرة وغصّت بالبَكْوِة ومرَت لحظات صمت كانت تحاول أن تستعيد قوتها على الكلام وقالت: والله ياخالتي قبل النكبِة كنا عايْشين وِمكيْفين، تْعذّبنا وعانينا كثير.. بَقول:

مِضْيَتِلنا ايام يابو زيد مَحلاها

وإيامنا البيض فاتَتْنا وفُتناها

أجْهَشَتْ أم غازي بالبكاء وتابعت بكلام مُرتَجِفْ:

وإيامنا السود هَمّينا الحِقْناها (يعني استعجلنا وِالحِقناها).

لم تستطع أم غازي مواصلة شعرِها وقالت: والله يا خالتي لْحِقْنا أيام سودا يا خالتي، أبويْ مات وِاحنا صغار وإمي شَحْشَطَتنا فِشْ مْنينْ تجيبِلنا لُقْمِة الخبز تِطْعَمنا وإخوتي لِكبار تهَجْهَجوا شمال، أخويْ أبو علي اللي بقي هون كان عُمرُه أربع سنين والحمد لله شو بدنا نساوي، ما باليد حيلِة.

كانو يحُطّوا البندورة بين التِبن تَتْصير حَمرَة

قلت:لما بْتيجي البروِة على بالِك شو بْتِتذكري بالأول؟... إم غازي: بَتذكّر أبويْ وإمي وسيدي، بيجي على بالي سيدي لما كان عِندُه كَرِم، كانت الناس كًلّْها تِنزل عالكرم تْنقّي دوالي وسُمّاء وعنب وتفاح وجميع ما الله خلق من خيرات وبدون مُقابِلْ. كانت أهل البلد تِعرف إنّو اللي بدُّه أي إشي كان يِنزل على كرم إحمد المحمود. كان حياة سيدي يزرع البندورات ويِنقِّبهن خُضُرْ ويِحُطِّهِن بين التِبن تَيصيروا حُمُر عَشان يِصَمّْدوا لفترة أطول.

حياة سيدي كان إلُه سِت اولاد بِقي منهِن عَمي أبو صالح وَحشْ النِجم كان تاجر ويبيع في لِبلاد. وحياة عَمّي أبو كايِد كان يبيع قماش ويِفُرّْ لِبلاد كلّْها مرات على رِجليه ومرات عالدّابِّة. كان أبو كايد ينادي معانا بضايييع أشكال والوان. قبل النكبِة كان عِندُه قْباوِة اثنين وغُرفِة ملانِة أواعي وقماشْ.

إقِبروني حتى تحت صبر البروِة مِشْ تحت زتونا

قلت: شو بْتِتْمني يا إم غازي؟... قالت: بتمنى أموت تحت صبر البروِة مِشْ بس تحت زتونها، تحت الصبر اللي كُلُّه شوك ويِقِبروني هناك... بكت إم غازي وقالت: غير هيك ما بَقول... جارِة إم غازي اللي دخلت على الديوان قالت: يا إم غازي قولي لا الله إلا الله ليش بْتِبكي... قالت إم غازي والدموع بْعينيها: كيف بَدِّك يا إم علي ما أبكي، بَقول:

يا غُربِتنا ببلاد الناس ذَلّتنا

ويا لَمِّة الحيِّ شالَتنا وحَطَّتنا

ويا طَلعَة من بلادنا يا طَلْعِة السودا

ويا رْجوعنا عَبلادنا ما الها عودَة

أنا عُمري سَبعين سِنِة، مين أكبر أنا ولا هِنِّ مِشْ أنا أكبر منهِن ومن دولِتهِن

قلت: خلّيكي صابْرِة يا إم غازي... قالت: بدّي أقول لكل العالم: أنا فلسطينيِّة ومِشْ إسرائيلية وخَلّيهِن يِحِبسوني، أنا خْلِقت بِالبِروِة بْفَلسطينْ، إسرائيل امبارح أجت عمُرها ستين سِنة أنا عُمري سَبعين سِنِة، مين أكبر أنا ولا هِنِّ مِشْ أنا أكبر منهِن ومن دولِتهِن إسرائيل... قلت: إنتي أكبر منهِن مِشْ بَسْ بالعُمُر... إم غازي: يْطوِّلْ عُمرك ويِخَلّيكْ على قلبْهِن بجاه النبي ويِطعمَكْ الذُريِّة الصالحة.. قلت: عشان هيك أنا جايْ لهون عشان أسمع منِّك هاي الجواهر وِنوصِّلها للشباب ونقُلّْهن يِسمعوا وصيِّة هذا الجيل... إم غازي: أخذوا عُمرنا وولادنا وحياتنا وسَحبوا زهرة عُمرنا وشبابنا منّا وِمحمْلينّا ميت جْميلِة بأكم قرش بِسدّوش من الجمل ذان من اللي أخذوه مِنّا ... طيِّب وشو مع البروة ومسقط راسنا خلَصْ؟! عفا الله عمّ مضى؟! هذا الحكي ما بُصرُبْ عِندي. يعني إشي بِجَنِّنْ أنا بِهِمِّشْ يعني إنُّه إخوتي اثنين وعَمّي يِموتوا شمال وأبوي يِقُتلوه بمجد لِكروم وسيدي يِطُخّوه في البروِة وزَلْمَتي يموت في جديدِة هذا كُلُّه بِهِمِّشْ؟!... صفنت إم غازي وعينيها تقدح غضب وقالت:

بِروِة عاليِة يا إم الشبابيك

عابْ القصر واهتَزّوا الشبابيك

يا بِروِة وين راحت شبابِيكْ

غَدوا شمال وما مِنْهِنْ حدى

قلت: شو بَدِّك تقولي لأهل البروِة اللي هون واللي بَرّة؟... إم غازي: بَدّي أقول للكل كبير صغير: خَلّو عندكم إيمان وأمل بالعودِة وما تْفَرْطوا بْحبِّة تراب، قولوا كل صُبِح وكل مَسا: فلسطين والبِروِة وما تِنسو وطنكو وطول ما إنتو عايْشين خلي الأمل عايِشْ فيكو لأنُّه ما بِضيع دين وراه مطالب.



لاجئون من البروة / פליטים מכפר אלבִּרְוָה



مدرسة البروة / בית הספר של אלבִּרְוָה



مدرسة البروة / בית הספר של אלבִּרְוָה



مقبرة البروة / בית קברות אלבִּרְוָה



مقبرة البروة / בית קברות אלבִּרְוָה



مقبرة البروة / בית קברות אלבִּרְוָה



بئر قريب من المقبرة / באר מים קרובה לבית הקברות



مستوطنه أحيهود القائمه أراضي البروة / מושב אחיהוד על אדמות אל-בִּרְוָה



مستوطنه أحيهود القائمه أراضي البروة / מושב אחיהוד על אדמות אל-בִּרְוָה



خارطة قرية البروة / מפת כפר אלבִּרְוָה

كتابه وتحرير: رفيق بكري - صحيفه الحقيقة

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية