جسر الذاكرة
إن لملمة القطع المتناثرة من الهوية وربطها مع أرضها في الوقت الذي تحاول فيه، وبشدّة، قوى التاريخ والسياسة أن تبعثرها، لهو أكثر بكثير من حوار. إنه فصل من نضال طويل لدحر الذعر من الفناء والنسيان. بل وأكثر من ذلك.
بقلم: المصوّر تيري بريسلون- باريس
04/12/2008
مشروع جسر الذاكرة \ تصوير: تيري بارسيلون

في بداية الأمر، كان هذا مجرد اسم، كان تلاعباً تقليدياً بالكلمات : "جسر" و "ذاكرة". أن تبني جسراً بين الذكريات، ذكريات أشخاص وذكريات مكان فصلهم التاريخ عن بعضهم. أن تلملم القصص والأماكن التي تناثرت ودُثرت، التي تتلاشى تدريجياً، وتـُغطـَّى بقصص بديلة.

شظايا تلك الذكريات المعزولة والمقلوعة من أرضها، لا تزال حيـّة رغم كل شيء وتتناقل من جيل إلى جيل. والمكان يأبى أن يختفي تحت المنظر الجديد.

إنّ بناء جسر بين الأمرين، عن طريق أحد أكثر الحدود إحكاماً في العالم، من أجل تثبيت الهوية التي تشهد عليها تلك الأطلال، هو هدف المشروع الذي بدأ بشكل اندفاعي وسمـّي: "Bridging Memories".

إن لملمة القطع المتناثرة من الهوية وربطها مع أرضها في الوقت الذي تحاول فيه، وبشدّة، قوى التاريخ والسياسة أن تبعثرها، لهو أكثر بكثير من حوار. إنه فصل من نضال طويل لدحر الذعر من الفناء والنسيان. بل وأكثر من ذلك.

إن امتناعي حتى الآن من أن أعطي أسماء أو تواريخ لهذه الذاكرة كان بهدف الدفاع، ولو لبرهة، عن القصة من القوالب المعروفة والتي تطفو كل مرة تذكر فيها المصطلحات "فلسطين"، "1948"، "لاجئون"، "إسرائيل". لكل امريء رأي عن الوسيلة الملائمة لوصف العلاقة بين هذه المصطلحات الأربعة. لكن ليس هذا همّـنا.

إذن، بناء جسر بين الذكريات؟ ما أنا صانع فيما هو ليس قضيّـتي؟. كصحافي، اهتممت لفترة طويلة في الجوانب الملموسة في الصراع: في الحواجز والمتاريس في رام الله وفي خِرب جنين، أو في التحليل السياسي. شعرت فوراً أنّ مصدر المشكلة أعمق بكثير. إنها قضية أرض. إن العنف الأساسي القائم في الصراع ينبع من الإخناع ومن تبديل "مضمون" بآخر. الأرض هي أكثر من مساحة. إنها مكان لحياة اقتصادية، وفضاء للذاكرة الشخصية، وهي المكان الذي تـُصاغ فيه الذاكرة الجمعية وفيها يُـنظر المستقبل.

إنها القاعدة التي يستطيع صاحبها أن يبني عليها إطاراً سياسياً وفيها يمكن أن تتحقق حقوق الفرد وحقوق الشعوب. إنها المكان الذي يصاغ فيه الماضي والحاضر والمستقبل. في إسرائيل اليوم، يتوفر للآثار الرومانية حيـّز أكبر مما هو معطى للآثار من بداية القرن العشرين. لا حاجة بوجود فلسطين بعد الآن: لقد دفنت، حوّلت إلى تراث وأغفلت من أجل صياغة هوية جديدة للمكان. أما فلسطين، في ذاكرة اللاجئين، فهي حيـّة وتصارع من أجل بقائها. إن بناء جسر بين ذاكرة اللاجئين وبين أرضهم، وإعادة ربط، بشكل افتراضي،  ما فككته وفصلته أقوى القوى السياسية في القرن الماضي، هو موضع خلاف في إسرائيل. لكنه يجب أن يتم إذا أردنا أن ننشط بنجاعة في لب الصراع.

حيـّز ما بعد الاستعمار
إن "الجسر"، الذي بدا لي بشكل لا شعوري كمكان مألوف، كان السبب لاندفاعي إلى المشروع، أكثر من الرغبة بالتأثير الناجع على الصراع. يمنح هذا الجسر إمكانية رفض الواقع المبني على حدود وتفرقة. هذا المشروع بين "زوخروت" في إسرائيل و"نجدة" الناشطة في مخيمات اللاجئين في لبنان، يفتح باباً لأشخاص ذوي وعي ذاتي لهويتهم ولقيمهم الأخلاقية والسياسية، وفي الوقت نفسه ينزلون من على كاهلهم عبء التبعية ويعرّفون من جديد الحدود بين "هم" و"نحن"، يخلقون حيزاً لمستقبل مغاير يستند على رؤية الماضي بشكل مغاير. حيـّز، من جهة هو واقعي ومن جهة أخرى هو افتراضي. 

لقد بدأت مشواري إلى هذا الحيـّز صباح الأول من كانون الثاني عام 1991 عندما ألقيت حبال سفينة "نابليون" إلى المياه المزيـّتة في ميناء "مرسيه". حيث أبحرت إلى الجزائر خلال الأيام الأولى من حرب الخليج الأولى. الفرنسي الوحيد على متن سفينة شبه خالية. عكس توصيات أولئك الذين قالوا "إحذر من العرب". خرجت حتى أعيش قصتي الشخصية الموجودة على صور والدي بالأبيض والأسود، والدي الذي كان جندياً في حرب الجزائر عام 1961. دوافع الرغبة بقطع حدود الزمن ظهرت في وقت متأخر مع مرور السنين. أفترض أن هذه الرغبة لم تنبع من الشعور بالذنب. وحتى أدقق أكثر، كانت تلك حاجة لأترك من ورائي إرثاً ورثته، ولأثبت أنه من الممكن إنشاء علاقة مختلفة. حتى أثبت أن عنف الماضي، الذي كان أبي من صانعيه ومن ضحاياه، يمكن أن يتبدل بتفاهم بين شعوب متخاصمة، يستند بالأساس على الاعتراف بآلام الماضي وبالقيم المشتركة للحاضر. بكلمات أخرى، هي الحاجة في خلق حيـّز ما بعد الاستعمار.

أنا أدمج قصتي الشخصية حتى أبين وجود خط متماسك بين تجربتي الأولية وبين نشاطي الحالي في صراع ليس صراعي. هذا الخط بدا لي واضحاً ضمناً حين كنت أتمعن في صور اللاجئين من الراس الأحمر التي تستند على حائط مكتب "زوخروت".
إذاً، ماذا أردت أن أعمل بالضبط؟

تمثيل
إن الحاضر الذي نحوله إلى مستقبل مختلف، يحمل في طياته رموزاً أصلية لكيفية رؤيتنا أنفسنا ورؤيتنا "الآخر". على طول عدة سنوات، انهكنا قوانا، أنا وآخرين، من أجل التغيير: في مقالات حازمة ومناشير حادّة، في مظاهرات ومشاعر غضب مكبوتة. في ضوء القوى غير المتوازية بدا التغيير مستحيلاً. وبدلاً من ترك المعركة فضـّلت تغيير أسلوب عملي.

نشأت الفكرة بداية مثل شعلة: تصوير اللاجئين الذين أدلوا بشهاداتهم لـ"نجدة" في "محطة المرور" اللانهائية، مخيم عين الحلوة، تحميض وإصدار الصور في تل أبيب بحجم إنسان، نصبها في شوارع الراس الأحمر، اليوم كيرم بن زمره، تصوير الصور في الموقع هناك، هو الماضي وهو الحاضر في نفس الوقت، وفي النهاية تسليم اللاجئين صوراً يظهر فيها "الزمان" و"المكان" يلتقيان. حتى نعكس وبشكل مجسد تقريباً، الظل الإنساني لهذه الأمكنة التي تحمل اليوم فحوى آخر. حتى نجسد للاجئين معنى عودتهم الرمزية وأن نضع الإسرائيليين أمام محور إنساني لهذه العودة الرمزية.    

إن المشوار الذي بدأ في كانون الثاني من سنة 1991، أخذني وآلة التصوير في يدي، إلى أزقة مخيم عين الحلوة قرب صيدا في آب 2007. صورت هناك وجوه حوالي عشرين فلسطينياً، ممن لا زالت تعشش فيهم ذكريات الراس الأحمر، ذكريات من حياتهم قبل التهجير ومن نزوحهم القسري ، والخوف يدفعهم، ليلة الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 1948. كانت المرحلة التالية من المشروع المبادرة لحوار بين ذكريات وغضب اللاجئين وبين أحلام بعض الإسرائيليين الذين فصلوا أنفسهم، تقريباً، عن الرواية الصهيونية.
جسر أم نفق سري؟  

امتلأ مكان اللقاء الوهمي بعلامات استفهام، وتشبيه الجسر الواصل بين ضفتين بدا مبهماً. بواسطة إنشاء اتصال غير مباشر بين إسرائيليين وبين لاجئين فلسطينيين في لبنان، فتحنا ثغرة مكنتنا من إيصال عدد من الشهادت وعدد من الأغراض العينيـّة. نفق صغير وسري بين جزيرتين وسط بحر عدائي. لكن لا يعقل أن هذا كل الموضوع. من خلال هذه الثغرة يشع أيضاً نور مغاير على الروايات والهويّات. إجراء الاتصال بين الذاكرة وبين المكان التابعة له مقابل المشروع الذي يريد أن يصهره، ليست فقط فعالية احتجاج وانما أيضاً نظرة إلى مستقبل آخر ممكن. وإلاّ، فما الفائدة؟. ولكن ما هو هذا "الممكن"؟.

إن ذكريات عجائز 1948 مكدسة بروائح المسك والليمون، بالبندورة التي أصبحت أسطورة وبأشجار الزيتون التي عمرها مئات السنين، بالقمح الوافر وهبـّة مياه باردة، بأصدقاء يهود وبصهاينة أعداء، بأكاذيب بريطانية وخيانات عربية، وبعنف جيش دولة لا يمكن ذكر اسمها.

على مدى كل حياتهم، منذ ستين عاماً، يعيشون في حداد لا يعقل. الغزوات الإسرائيلية على لبنان والهدم شبه الكامل للمخيم عام 1982، عمـّقت أضرار الصدمة وعزّزت موقع إسرائيل في وظيفة الظالم الغازي الذي يكتسب مكانته بفضل ضربات عسكرية ومجازر. " أخذوا منا بيتنا وقريتنا وأرضنا، خلـّيهم يرجعوها".

احتلال الخيال
ماذا يمثل، بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، هؤلاء اليهود – الإسرائيليون المهتمون بقضيتهم والمعترفون بحقهم في العودة؟. الأمل في رؤية قريتهم مرة ثانية. الأمل في أن يسيروا في نفس الطريق الذي أوصلهم للمنفى، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس. الأمل في محو الحدود التي ظهرت في المنطقة التي اعتادوا أن يتجولوا فيها دون عوائق. الأمل أن يجدوا القرية التي طردوا منها 1948، أن يشعروا من جديد ما شعروه في يومهم الأخير في فلسطين، أن يعثروا على خيط كينونتهم الذي قطع، حتى لو كان ذلك ليوم واحد. صرخة تحدّ ٍ ضد حدود الزمن والجيوسياسة.

هل سيكون مجدياً أكثر أن نبدّل الصور الراسخة في نفوسهم، صور الماضي الذي ولـّى، بصور الحاضر؟ أن نعرض بيوتاً جديدة لمستوطنة بنيت على الراس الأحمر بدلاً من أطلال جدران متساقطة؟ أم ما زال مطلوباً رعاية الحنين إلى الماضي الكامن فيهم، أن نصقل حزنهم اللامنتهي؟ علام سنحصل لو نكسر الذاكرة؟    

BRIDGING MEMORIES جسر الذاكرة يمكـّنهم من سماع الأصداء البعيدة لأرض الوطن، أن يرسل إشارة على وجودهم إلى مكان ذكرياتهم. لكن، هل الإشارة التي أرسلوها هي ذات أهمية، بنظرهم، في الزمن والفضاء؟ هل يهمهم إذا كانت ستؤدي صورهم وأسماؤهم في الراس الأحمر، في كيرم بن زمره، إلى تغيير في تفكير الإسرائيليين الذين سيقفون أمام حضورهم الصوريّ؟ برأيي هذا غير معقول. إلاّ إذا حصلوا فوراً على دعوة للعودة إلى قريتهم مع اعتراف بما سلب منهم وبحقوقهم. دولة إسرائيل، أحلام بعض الإسرائيليين ذوي النوايا الحسنة، وأقل من ذلك شعور بعض الإسرائيليين المقتنعين ببرائتهم، كل ذلك لا مكان له في أحلامهم. ويمكن تفهـّم ذلك.  BRIDGING DREAMS جسر الأحلام سيكون المشروع الحقيقي. بدلاً من طلائعيين يحتلون الأرض، هذا الصراع بحاجة إلى طلائعيين يحتلون الخيال.

إرث ينهار
في آذار 2008، مع تسليم اللاجئين الصور النهائية التي صوّرت قبل ذلك بستة أشهر، انهمرت دموع كثيرة. طفت الذكريات مخلوطة من جديد، وضاعت الأنظار في أفق غير محسوس. التقيت مسنـّين متمسكين بالحلم، يشعرون أن وقت رحيلهم قد اقترب دون أن ينجحوا، ولو للحظة، باستنشاق هواء الراس الأحمر. حولنا، في مخيم عين الحلوة، تنقسم القرية بين فصائل جهادية متناقضة، حركة فتح تحاول الحفاظ على القليل المتبقي من احتكارها للنضال الوطني، في الوقت الذي يفكر فيه الشبان على جهاد أو على تأشيرة سفر لأستراليا. بالنسبة لأولئك الذين ولدوا في المخيمات، حق العودة هو العمود الفقري في هويتهم، إلا أن ذكريات الكبار هي إرث غير متماسك. سيكون التنازل عن الأمل بالعودة مؤلماً جداً، لكن الطريق السياسي لهذا الأمل قد اختفى منذ زمن بعيد. 

هل من الحكمة العمل ضد الأسس القائم عليها الوضع الجيوسياسي الحالي؟ أن نبث آمالاً مبالغاً بها؟ لا يمكنني الحسم في هذه القضية. لكن يخيّل لي أن الجروح في نفوس المسنـّين الفلسطينيين، الذين سيظل نظرهم أبداً محدقاً في أفق فاقد الوعي، تستحق العمل، إذا العمل لم يقلب التاريخ رأسأ على عقب، فسيساعد على الأقل على منع السكوت على حزنهم. ومن الممكن أن يكون هذا حجر الأساس لذلك الحيـّز متعدّي الكولونيالية، ولن يكون ذلك الحجر أسهل الحجارة .
----------------------

Thierry Brésillon
Tel Aviv – Paris – Bujumbura
4 décembre 2008

 

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية