أنا من هناك، من القباب
يوسف هاير يزور قريته لأول مرّه
بقلم: يوسف هاير
12/2013

رحلة العودة إلى الجذور

أنا من هناك. ولي ذكرياتٌ . ولدت كما تولد الناس. لي والدة
وبيتٌ كثير النوافذِ. لي إخوةٌ. أصدقاء. وسجنٌ بنافذة باردهْ.
ولي موجةٌ خطفتها النوارس. لي مشهدي الخاص. لي عشبةٌ زائدهْ
ولي قمرٌ في أقاصي الكلام، ورزقُ الطيور، وزيتونةٌ خالدهْ
مررتُ على الأرض قبل مرور السيوف على جسدٍ حوّلوه إلى مائدهْ.
أنا من هناك. أعيد السماء إلى أمها حين تبكي السماء على أمها،
وأبكي لتعرفني غيمةٌ عائدهْ.
تعلّمتُ كل كلام يليقُ بمحكمة الدم كي أكسر القاعدهْ
تعلّمتُ كل الكلام، وفككته كي أركب مفردةً واحدهْ
هي: الوطنُ...      " محمود درويش
---------------------------
كنا صغاراً نجلس حول ستي "جدتي" وهي تحكي لنا الحكايا والقصص عن البلاد والأجداد ، وكانت تزين صدرها بخيط اسود يتدلى منه مفتاح بيتنا في قرية القباب 
كانت ستي تسترسل  في حديثها عن بيوت القرية والعائلات . كانت تحفظ القرية عن ظهر قلب. 
أهلها، بيوتها، بياراتها، كبارها وصغارها، سماءها وغديرها، زيتونها ولوزها وكل ما دبّ على أرض القرية وما جاورها من قرى . 
كنا نتابع مع ستي رواياتها وحكاياتها عن رحلة الشقاء ، محطاتها وعذاباتها، عن نكبة شعب،  فبالرغم من الظلم التاريخي الذي حل بقريتنا ووقع على كل فلسطين، إلا ان كلام ستي كان مبعثاً للأمل والصمود، والإصرار على حق العودة. كانت أمتع اللحظات، وما زالت أجمل الذكريات .
زرعت ستي في نفوسنا حب القرية، وعدتنا بأننا سنعود يومًا لقريتنا.
كنا نسمع ستي تردد دائماً : غداً سنعود
ومضى أكثر من  ستين عاماً ، وستي مُصِرّة على غداً سنعود.
ماتت ستي قبل سنوات، وبقي مفتاح الدار ينتظر، والدار تنتظر عودتنا 
كبرنا وكَبُرَ الحلم فينا ......
------------------------------

السبت 13/7/2013
الساعة العاشرة صباحاً كُنّا على موعد مع إيتان عضو في جمعية Zochrot / ذاكرات.
كنا سعيدين جداً بلقاءه. إيتان رجل هاديء الطبع ، ودود جداً ولطيف المعشر. وكأننا نعرفه منذ زمن بعيد. لقاءنا كان عند محطة البنزين، حاولنا رسم صورة في مخيلتنا لايتان ، يونس استطاع  ان يشير اليه، وبعد التعارف وتبادل التحيات؛ إنطلقنا خلف إيتان باتجاه القباب.
نحن على مشارف القرية ، وصف والدي لطريق القرية كان دقيقاً جداً، حيث المنعطفات القوية قبل مبنى المدرسة الواقعة على يمين الشارع والتي بدورها تستخدم الآن مقراً لوحدات خاصة من الجيش.
بدأت معالم القرية تتضح اكثر ونبضات القلب كانت تتسارع أكثر فأكثر ،
تابعنا الطريق، هناك مدخل فرعي على يمين الشارع يؤدي الى الغابة ومن ثم موقع القرية القديمة. 
هنالك دوار يؤدي الى كفار بن نون حيث خربة وعين يردا، مدخل آخر بعد الدوار على اليمين حيث غابة ليخي، طعم الهواء الداخل الى رئتي يختلف كلياً عن باقي الهواء. 
أصبحنا نقترب أكثر من بعض البيوت المتبقية منها المهجور ومنها الآيل للسقوط ومنها ماهو محدّث وملحق بالسكن القائم . 
حان موعد اللقاء ، بعد شوق  وطول إنتظار... حانت اللحظة التاريخية ، أخيراً نحن على أبواب القباب. العواطف جياشة، إختلطت ببعضها البعض كإختلاط جدران المنازل والبيوت المدمرة.
حاولت جاهداً أن أتماسك نفسي  وأن أخفي - ولو مؤقتاً - ما انا به من مشاعر متضاربة. لاحظت أن إيتان يراقب حالتي
كان الأهم لي أولاً أن أعيش هذه اللحظات كما هي ، 
أسمع صوت ستي وأرى صورتها كشريط يمر سريعاً، 
المنظر رهيب بكل ما تحمله الكلمة، وأكبر من حجم عدسة الكاميرا أن تلتقطه أو تسجله.
سكون قاتل....
الآن بدأنا نقترب أكثر من البيوت، وفي احد الشوارع الفرعية التقينا برجل في الستينيات من عمره وامرأة معها ابنها،
طبعاً الاعتماد على إيتان في التحدث والتخاطب مع الناس ، لاسباب كثيرة منها اللغة وسهولة الاتصال بالناس. وقفنا بجانب الشارع ننتظر الإشارة من إيتان بالاقتراب ومن ثم التحدث مع الرجل وكِنّتَهُ، كما فهمنا لاحقاً انه جاء الى القرية حين كان عمره ٣ أشهر، تبادلنا أطراف الحديث معهم، كانوا لطيفون معنا، أخبرنا هم من نحن. والغاية من الزيارة. اسم القرية جديد عليهم
تابعنا المسير ووقفنا بجانب بيت واقع تقريباً على الشارع العام . تقدم ايتان من البوابة الحديدية للمنزل وتحدث مع شاب ومن ثم مع امراة كانت يدها ملفوفة بالجبص، كنا نحن على بعد امتار نراقب وننتظر عما ستسفر عنه المفاوضات. كانت  دقاًئق معدودة ، لكنني شعرت بثقلها، كنت متوقعاً عدم السماح لنا بالدخول الى ساحة البيت ، أستخدم إيتان براعته في المخاطبة في إقناع القاطنين في البيت ، وتهدءتهم هذا ما قرأناه في وجه إيتان والقاطنين في البيت. وأخيرا سُمح لنا بالدخول من الطرف الثاني للبيت عبر بوابة حديدية يتم فتحها عن بعد. بدأنا بالتقاط الصور والفيديو لبيت آيل للسقوط، تتدلى إحدى عوارضه ، قال ابننا يعقوب وعمره 9 سنوات " لا تدعوا أحداً يزيل هذا البيت، عندما أكبر سأعود وأبنيه من جديد، سأحوله الى جالري، نعم يعقوب قال إيتان ؛ لا تنسى حق العودة يا يعقوب"
شكرنا القاطنين في البيت وتابعنا السير ، ليس بعيدا، بيت آخر يقع على الشارع العام .البيت جميل جداً ومحدّث ، مدخل واسع وبوابة حديدية، أشجار وورود تزين الحديقة.لحسن حظنا الباب كان مفتوحاً، تقدم إيتان منادياً على صاحب البيت، خرج رجل في ستينيات العمر يضع على راسه طاقية /كابس، بيده كأس مشروب كحولي ، رحب بإيتان وعرض عليه مشروباً. شعرت بأن إيتان تفاجأ بالعرض. كنا ننتظر أمام البوابة، نراقب بحذر لكن تفاجأنا ان الحديث مر بسرعة وبشكل سلس. 
نادى علينا إيتان والرجل ، تقدمنا وسلمنا عليه، يوسي اسمه . رحب بنا وعرض علينا مشروب فاعتذرت شاكراً، كنت صائماً . جاءت زوجته ورحبت بنا ، اعتقد انها من القادمين من بلاد التشيك. دعانا للدخول وسأل الأولاد وهيجة اذا لديهم الرغبة في شرب  شيء بارد. بالطبع كولا باردة. البيت جميل جداً ، ينم عن ذوق راقٍ، عبارة عن جالري ، أبواب من زجاج من الطرف الثاني للبيت. مأكولات شهية مرتبة وكأنهم ينتظرون ضيوفاً. إعتذرنا لكوننا جئنا فجأة ، تجاذبنا أطراف الحديث من ؟ومن أين ؟ولماذا؟
دار حديث بين إيتان ويوسي في حين طلبت الأذن بان أخذ بعض الصور للمكان ، وكانت الإجابة بكل ترحاب. الأولاد كانوا فرحين جداً ، يلعبون ويلهون، وكان هنالك مسبح حيث دُعي الأولاد للسباحة، شكرناهم واعتذرنا حتى لا نسبب ازعاجاً ، كذلك لم يكن معنا ملابس إضافية للأولاد.
كنت أُسابق الزمن في أخذ أكبر عددٍ من الصور، كانت شجرات الزيتون والرمان والتوت وغيرها من الأشجار ، كانت قطعة من الجنة،
صوت جدتي يسترسل في أذني بوصف القرية، بيوتها، بياراتها، زيتونها،. لوزها وصبرها، طرقاتها ......
سمعنا صوت سيارة نزل منها شاب وزوجته وطفلين أو ثلاثة، سلمنا عليهم ، كان حقاً جواً عائلياً ووجود الأطفال أضفى متعة على الحضور.
تجاذبنا أطراف الحديث . طبعاً أخبرتهم من نحن وعن أهلي الذين هُجِّروا من القباب 15.ماي 1948. وكيف فقد والديّ طفلين (بنت وولد) أثناء فترة النكبة، أعتقد أن الحديث ترك أثراً في أنفس السامعين. حان الآن موعد الانصراف، شكرناهم  وودعناهم على أمل اللقاء ثانية.
المدهش ان يوسي طلب منا السير خلف سيارته حيث أخذنا الى الغابة وحدد لنا نقطة قرار التقسيم سنة 1947، تابعنا السير داخل الغابة الى وادي (أيالون) حيث أشجار الصبر واللوز. 
تابعنا المسير الى ان وصلنا الشارع العام القادم من اللطرون باتجاه القباب.
عدنا ثانية للقرية ، اجتزنا المدرسة وتابعنا المسير الى أن وصلنا ثانية الى بيت يوسي على اليسار ، انعطفنا الى اليمين ومن ثم اليمين حيث يقع منزل محمد ياسين، منزل مشهور في القرية ، بناء جميل ويستخدم الآن كبيت للبلدية، نزلنا والتقطنا مجموعة صور. حسب وصف والدي لموقع بيتنا ، يبعد عن بيت محمد ياسين بحدود 50 متراً، وحسب الوصف لاحقاً وجدنا انه حالياً يوجد ملعب للأطفال ، حيث المراجيح وبعض وسائل الترفيه للأطفال، 
والدي اخبرني بانه هنالك شجرة عظيمة كانوا يجلسون تحت فيِّها/ ظلها. هذه الشجرة مازلت موجودة لكن البيت هُدِم، شاهدنا أطفال من روضة مجاورة جاءوا للعب هناك.
تابعنا المسير داخل القرية ودخلنا منعطف على اليمين، حيث وجدنا بيتاً قديماً رائعاً في تصميمه.
دور إيتان لطرق الباب، ومن ثم طلب الأذن ، دار حديث بين القاطنين شاب في الثلاثينات وشابة.
لاحظنا ان الحديث كان جاداً نوعاً ما، وبعد أخذ ورد بين إيتان والشاب ، بدأت ملامح إيتان أكثر سروراً.
كالعادة نحن ننتظر خارج الأبواب ننتظر الإشارة من إيتان. 
نادى إيتان علينا وفرحنا لذلك، كان الشاب مضطربا نوعاً ما من الزيارة المفاجئة لهم، ولكن سرعان ما هدأت سريرته ، كما تبدلت نغمة الحديث. طلب منا الأذن لبعض دقائق لإكمال الحملة التنظيفية، وبعدها رحب فينا وسمح لنا بالدخول والتقاط الصور، مفاجئة كبرى كانت لنا ، وضعية البيت والذوق الرفيع ، حسب ما فهمت فان الشاب كان مستأجر البيت لفترة قصيرة.
الإرباك والاضطراب الذي سببناه للناس في زيارتنا المفاجئة للبيوت ، أعتقد خلق نوعاً من الخوف لدى الناس من تبعات الزيارة وما قد ينجم عنها من مضايقات أو شعور أو إنطباع سيئ لدى هذه الناس.
تحدثنا قليلا، وأخبرت الساكنين هناك عن اسم القرية وعن معاناة والدي وتهجيرهم من القرية، وموت أخت وأخ وجدي أثناء التهجير، المدهش ردة فعل الشاب كان جداً متأثراً، واعتذر كثيراً لي على ما أصاب عائلتي. أدهشني ذلك، وأكدت له لا داعي للاعتذار، 
نصحنا باستكشاف الموقع خلف البيت، حيث أشار الى بقايا بيوت تدل على اختلاف في طبقات المجتمع في القرية، من الناحية الاجتماعية /ربما قصد مستوى المعيشة،
فهمت منه ان مهنته مهندس معماري.شكرنا لهم حسن الضيافة واعتذرنا لهم . قمنا بأخذ مزيداً من الصور حول البيت وأمامه ، ركام من الأحجار ، دليل على وجود بيوت كانت سابقاً في الموقع.
مع ايتان زرنا بيوت عدة، بيت مهجور على الشارع العام ، وحسب ما شرح لنا ايتان أن هذا لبيت كان مصنعاً للأجبان، هذا ما لمسناه في المخلفات الموجودة في البيت.
حان موعد الفراق، بعد أكثر من ثلاث ساعات تجوالاً مع إيتان، الجو كان حارً، وزادها حرارة التعرف بشخص إيتان. لم يكن سهلاً علينا أن نقول الوداع لإيتان، والكلمات وحدها لا تستطيع التعبير، وجود إيتان معنا ومرافقته لنا زيارتنا الأولى لقرية القباب، كان له الأثر الكبير في نفوسنا وسهل علينا مشقة السؤال. أقولها بصدق وجود إيتان جعل من حلمنا حقيقة، بدونه ما كنا نستطيع الوصول الى البيوت وأخذ الصور . 
كل الود والاحترام والتقدير نُكِنُّهُ لشخص إيتان وعمله الرائع ، ودّعنا إيتان بذكرى طيبة، والى لقاء قريب. كسبنا صديق في رحلتنا هذه. كان يومًا عظيماً لنا سيبقى ذكرى خالدة.
تمنينا النجاح والتوفيق له في عمله، والأولاد ما زالوا يرددون اسمه.
بعد توديع ايتان قمنا بجولات عديدة في القرية، شوارعها ، مداخلها، السيارة تسير في كل الاتجاهات. 
اليوم التالي يوم الأحد ، حيث سنغادر الى عمان.

--------------------------
الأحد  14/7/2013
اليوم سنطوف طواف الوداع
جاءت ساعة الرحيل، لا مفر من هذه اللحظات......
شوق اللقاء، ولوعة الفراق......
بدأنا بجولة عبر شوارع القرية، الغابة، وأطراف القرية..... 
ما أصعب تلك اللحظات، 
في الغابة، سكون رهيب، غير صوت أطفالي وحركتهم، التي بعثت روح الحياة من جديد في القرية. الواقع الأليم والمر أننا أمام بقايا بيوت وآثار منازل وحجارة مترامية في كل الاتجاهات.
كلما وجدنا شجر صبر ، دلّ ذلك على وجود بقايا منازل، لأن شجر الصبر أستخدم في تحديد  الحدود بين البيوت والأراضي.
هنا القباب، هنا كان مجتمع عامر بأهله، هنا كانت نيرانهم، مضافاتهم ، حلقات رقصهم وتجمعهم
ناديهم، بوابير طحينهم، مدارسهم، دكاكينهم، حوانيتهم، حاراتهم وازقتهم..... مقابرهم
هنا كانوا، ومازالت ريحهم... كان مجتمع مسالم، مضياف، محب للعيش البسيط ويحلم بغد واعد
والآن تجرع طعم المنفى ولوعة الفراق وفوضى الشتات.... 
الأشجار مازالت واقفة ولم تتعب 
تنتظر وتنتظر، عودة أهلها 
شجر الزيتون صامداً وشاهداً على مأساة اهل القباب.  
من تحت اعرق شجرة زيتون في القرية ، ومن رحم الأرض أخذنا معنا كمشة تراب لتنعش روحنا في المنفى وحبل تواصل مع الأرض والبلد. كذلك الأولاد وضعوا حجارة احضروها معهم من النرويج، لكي تبقى ذكرى وحلقة وصل، لم يجدوا غير شجر الزيتون أميناً عليها
بالنيابة عن جميع الأهل الذين لم تحن ساعة عودتهم للبلاد بعد، عنهم جميعاً ؛
بَلَّغنا القرية السلام ، تحيات وحنين الذين هُجِّروا والذين وُلِدوا بعدهم
لَنْ نقول الوداع يا القباب
بل نقول الى لقاء قريب بصحبة الأهل والأصدقاء 
الكثير من الأهل ينتظرون عودتنا ، بالصور والتراب والذكريات علَّها تُشعل نيران الحنين
وشد الرحال الى القباب.
 



עץ זית באלקבאב / Olive tree at al-Qubab



ביקור שורשים בקובאב / Roots visit at Qubab



אני מכאן / I'm from here



ביקור שורשים בקובאב / Roots visit at Qubab



יוסף, הגה ושלושת ילדיהם בקבאב / Jesf, Hege and their three kids at al-Qubab

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية