أن تكون في مكان، من مكان، في قولة
هل شعرتم ذات مرة بأنكم عالقون بين عالمين؟ أشعرتم بأنكم لستم فيهما حقًا ولا في أيّ منهما أيضًا؟ أشعرتم بأنكم خارج ذاتكم؟ هل راودكم مرة الشعور الغريب بأن تكونوا مشاركين بعيدين ومشاهدين لأحداث أنتم ومكانكم شركاء فيها، في حين أن الزمن الراهن يكتسب وتيرة مختلفة تمامًا؟
بقلم: رلى عوّاد رافرتي
07/2008
رلى عوّاد رافرتي في زيارة الى قرية قولة

هل شعرتم ذات مرة بأنكم عالقون بين عالمين؟ أشعرتم بأنكم لستم فيهما حقًا ولا في أيّ منهما أيضًا؟ أشعرتم بأنكم خارج ذاتكم؟ هل راودكم مرة الشعور الغريب بأن تكونوا مشاركين بعيدين ومشاهدين لأحداث أنتم ومكانكم شركاء فيها، في حين أن الزمن الراهن يكتسب وتيرة مختلفة تمامًا؟ لا أقصد المعنى الاستعاري، بل أقصد "العالقين" حرفيًا، جسديًا وحسيًا. كانت هذه هي مشاعري بتاريخ 12 تموز 2008 في قولة، حين قمت إلى جانب أشخاص متميّزين بفتق ذاكرة، نوع من القداسة، مكان كان ولا يزال مرتبطًا بقلبي وبتاريخي. مكان لم يعد قائمًا، أو هذا ما اعتقدته حتى ذلك اليوم. يومها، خلال زيارة لفلسطين وإسرائيل واكتشاف قولة، وجدت قسمًا من نفسي. 

كانت معايشة هذه التجربة والكتابة عنها صعبة، معقدة، شعورية ومنهكة. هذا تقرقر بسيط، لكنه يعجّ بالتناقضات. إنّه تقرير شخصي، يكشف لقاء عميقًا، خامًا وشعوريًا، من خلال مشاركة آخرين فيه، أشعر بأنني مكشوفة وهشّة. هذه قصّة قد تؤدي إلى البُعد لكننا يجب أن نتذكّرها ونرويها.

يبدأ التعقيد متعدّد المستويات لتواجدي في قولة بمشاركتي، إلى جانب 12 مربيًا وطالبًا جامعيًا في مشروع موّله صندوق فولبرايت-هيز لأجل تربية وظروف للسلام في فلسطين وإسرائيل. أن أتواجد في إسرائيل وفي فلسطين هو حلم لم أتجرّأ على حلمه ولا حتى تمنيه، إلى أن وصلنا هناك فعلا. "حين نعود" هو جملة وفكرة شائعة في ذاكرة الفلسطينيين، لكن إلى أي حد نسمح لهذه الذكرى بأن تكون حقيقية وملموسة؟ أحاول المرور عليها بسرعة، بحذر، الإمساك بها في الحاضر، ما يشبه ممارسة لرقابة ذاتية خشية من أن يتهدد الخطرُ الشعور نفسه. المستوى الآخر من العمق والتعقيد كان في لقائنا مع "ذاكرات". كان أحد أهداف الزيارة التي قمنا بها لمدة شهر، التعرّف على برامج وأشخاص يعملون لأجل المصالحة. كان من بين الزيارات المخطّطة زيارة "ذاكرات أيضًا"، وهي ما ستتحوّل إلى حدث يقلب حياتي.

مجموعتنا حضرت التعريف الذي قام به إيتان برونشطاين، مؤسّس ومدير جمعية "ذاكرات"، بعد يوم من السفر وعدد من اللقاءات الأخرى. ذلك الصباح تحديدًا تُرك شاغرًا لجولات مستقلة؛ وكلي سعادة بأن لقاءنا المخطط لم يلغَ أو يُستبدل ببرامج أخرى. أخذت المجموعة 3 سيارات أجرة إلى "ذاكرات". حين وصلنا استقبلونا في بهو اجتماع ومعرض لافت. خلال تنظيم جلوس جمهورنا الأمريكي، كنت قد شاهدت معرض The (In)Human Spatial Condition عن الحواجز، الجدران، وحياة الفلسطينيين. كنت مذهولة ومتأثرة إزاء رؤية هذا الواقع الصعب معروضًا في تل أبيب، وبدأ يتّضح اللقاء المزعج بعض الشيء مع المكان الذي كنّا فيه ومع ما رأيناه.

ذهول عميق، حزن، تشخيصات أصابتني بصدمة، شعور بالأخوة وبشائر من الأمل – كل هذا غمرني حين أصغيت لحديث إيتان عن هدف ذاكرات، نشاطاتها وإصرارها. سمعت القوة العنيدة للاعتراف الداخلي والالتزام في صوته. ومع توالي الملاحظات والأسئلة الكثيرة بعد ذلك، بينها سؤال طرحته بنفسي، ازداد الأمر لديّ حدة أكثر. كان هذا اللقاء بلا شكّ أحد أكثر اللقاءات المؤثّرة والمعزّزة للثقة التي اشتركت بها في حياتي. لقد جلب هذا اللقاء معه إمكانية كبرى بالمستقبل، وإلى جانب هذا كشف بحذر خوفًا عميقًا وشعورًا بحماية الذات لديّ. هذا مكّنني من أن أقول لإيتان الكلمات التالية: "أمّي ولدت في قرية صغيرة دُمّرت، اسمها قولة".

هل كان مفاجئًا أنّني كنت مذهولة حين سألني إيتان بلهجة موضوعية: "أنت ذاهبة لزيارتها؟". لم أفهم.. نعم، لقد سمعته للتوّ يتحدّث عن وضع لافتات مع أسماء القرى المدمّرة باللغتين العربية والعبرية، عن إحضار لاجئين لزيارة بيوتهم، ولكن "ألا يعرف أن قولة دُمّرت، تمّ محوها؟"، تساءلت في نفسي. يبدو أنّ إيتان انتبه إلى النظرة المتسائلة في عينيّ (ولربما قرأ الأفكار التي دارت في رأسي؟)، وقال إنه لربما يتمكّن من مساعدتي في العثور على قولة، وذهب فورًا إلى مكتبه بحثًا عن معلومات. يمكنني رؤية تلك اللحظة، يمكنني لمسها، سماعها، تحسّسها. كنت منفعلة، طائرة في الهواء؛ لكن سرعان ما راودتني الخشية فجأة. خشيت من كل ما يمكن أن يتشوّش ويصطدم بالزيارة المخطّطة إلى قولة؛ تدافعت الأفكار في رأسي: "حسنًا، سيكون هذا حدثًا إضافيا في برنامج المجموعة.. يفترض أن نغادر إلى القدس غدًا صباحًا.. كيف يمكنني القيام بهذا؟ أنا لا أعرف المدينة، ولا أشعر بالارتياح في التجوّل بمفردي في تل أبيب"، إلى جانب العديد من الأسئلة المتشكّكة والأفكار الداخلية. على الرغم من أن هذه الأسئلة استمرّت للحظات فقط، شعرت كأنما مرّ مليون سنة. حين كنت أتساءل في هذه المخاوف وشاركت زملاء المجموعة فيها، أحضر ايتان "أطلس فلسطين"، تأليف سلمان أبو ستّة، وبدأت برفقة اثنين من المجموعة بالبحث عن قولة. وبدأت المخاوف بالتلاشي حين انضمّ عدد من الزملاء، وتطوّع مايك هيزي، باحث مع منحة، بالبقاء حتى اليوم التالي والسفر إلى قولة.  لكنّ الذروة كانت بمجرّد العثور على القرية. فجأةً لم يعد هذا مكانًا للأحلام والقصص بالنسبة إليّ، بل بات محور اهتمام عدد من أعضاء المجموعة. 

لم يكن السفر إلى قولة مسألة لوجستية فحسب. فحتى حين نجد شيئًا على الخارطة فلا يعني ذلك أنّك تعرف كيف تصل إليه حقًا. كان هناك أيضًا الكثير من الوقت، الطاقة، الالتزام والتحمّس الذي بذلناه. كان لا يزال يتوجّب على إيتان العثور على كيفية الوصول إلى هناك، والاتصال في اليوم التالي حتى الساعة 14:00.

في ذلك المساء زرت أهل صديقتي موران في يافا القديمة. على الرغم من أن المكوث معهم كان شديد الأهمية لي، كان رأسي فيما سيحدث صباح الغد، حتى وإن لم أكن قد نجحت بعد في التفكير برؤية قولة حقًا. في ذلك المساء تحدّثت كيف أنه يمكنني رؤية خارطة يافا العتيقة التي تتصل بالبحر. أفيفا، والدة موران، قالت بشكل شاعري "جسدك يتذكّر". ارتجّت كلمات أفيفا عميقًا في جسدي، في قلبي ورأسي. وفهمت في قولة في اليوم التالي معناها الحقيقي. 

في ذلك المساء، وفي صباح اليوم التالي أيضًا، اتصلت مجدّدًا بأهلي الذين يسكنون اليوم في عمّان (الأردن) لأحدّثهم عن الزيارة الوشيكة. لم يشعرا بالأمان، ولربما شاركوني المخاوف نفسها، يبدو أنهم لم يصدّقوا حقًا أن في وسعي الذهاب إلى قولة. ومع ذلك فقد شاركوني الانفعال. تحدّث والدي عن بئر ماء، عن بيارات تبعد نحو 5 كيلومترات عن القرية، عن أهالي القرية وأقربائهم وعن موقع القرية العام. على الرغم من أنّ والدي لم يولد في قولة (فقد ولد مثلي في طولكرم)، فقد سبق أن ذهب إلى قولة كثيرًا، لزيارة عمّته وأقرباء آخرين من العائلة الموسّعة. كان يبلغ العاشرة من عمره فقط عام 1948، حين وقعت النكبة. 

في الساعة 10:00، بعد أن فحصت الهاتف ربّما نحو مئة مرة (واضح أنني لم أرغب في تفويت المكالمة التي ستؤكّد الزيارة، فلم أكن مستعدّة حتى للتفكير في احتمال إلغاء برنامجنا). اتصلت بإيتان. قضى النهار مع أولاده في متحف الأطفال، وقال إنّه عرف كيف يمكن الوصول إلى قولة، وقال إنّه سيتّصل الساعة 14:00 لنتفق على موقع اللقاء. الانتظار ليس واحدة من صفاتي، لكن الوقت انقضى واتصل إيتان طالبًا أن نلتقيه، مايك هيزي وأنا، في أبراج عزرائيلي. 

أخذنا سيارة أجرة إلى الأبراج، وحاولنا معرفة موقع التقاء إيتان بالضبط. على الرغم من محادثتنا القصيرة كان واضحًا أننا غارقان في التفكير بالسفرة الوشيكة. في النهاية التقينا إيتان، بعد عدد من التوجيهات، وخرجنا في الجولة، التي راحت تتحول إلى حقيقية من لحظة إلى أخرى. إيتان تشاور مع صديقة له (نوغا كدمان) حول كيفية الوصول إلى قولة. في الطريق رأينا لافتة كُتب عليها كما قال لنا إيتان، بالعبرية فقط، "حرش كولا". مررنا بقرب موقع تدريبات عسكرية فارغ، ورأينا حديقة مع مواقع لشيّ اللحم مع مقاعد، تحتها مباشرة بدأنا برؤية شجيرات الصبّار. كنّا جميعًا مغمورين بشعور من الترقّب، حين نظرنا إلى شجيرات الصبار وبقايا المباني المدمّرة، وسرنا في الطريق الترابية الوعرة. قيل لنا إنهم استعملوا الصبار لحماية الممتلكات، وهي عادة جرى إحضارها من المكسيك في القرن التاسع عشر واتسعت وازدهرت. قطعنا عددًا من المنعطفات وأوقفنا السيارة الصغيرة في نهايتها. هناك، على الفور، التقينا شابًا يحمل دلوًا مليئًا بثمر الصبر الذي قطفه من هذا السور الطبيعيّ. بدأنا المشي، إيتان، مايك وأنا. اتصلت بأهلي وأخبرتهم أنني امشي على أراضي قولة. سألوني عمّا أراه وارتجف صوت والدتي، وأخبروني أن أخي عاد في تلك اللحظة بالضبط من إيطاليا، وكانت مصادفة عودتنا، نحن الاثنين، إلى البيت أمرًا لا يمكن تجاهله. هناك الكثير ممّا يجب تركيبه معًا، لكن كل شيء مرتبط معًا في قلبي ويبدو منطقيًا.

يتم تعريفنا على عمر إغبارية من ذاكرات (من واحة السلام وأم الفحم) الذي التقانا في قولة. ينظّم عمر من خلال عمله في ذاكرات جولات إلى قرى فلسطينية مدمّرة، وحضوره هنا مسؤول عته إيتان. خلال الزيارة طرح أسئلة هامّة ساعدتني على التركيز والعثور على معلومات جديدة. الآن، أيضًا، أشعر أنني أمشي وأشاهد المشهد في آن واحد. اتصل بوالدي ثانية وأسأله عن بئر الماء. قال لي إنّها "سبيل" وأسأله عن معنى الكلمة. جدول؟ أم نبع أم بئر؟ تعني الكلمة عمومًا نبعًا مخصّصًا لعابري السبيل. ينتبه عمر إلى كومة من الحجارة ويقول لربما أنّها البئر. نتجمّع ونزيح الحجارة. نعم، إنها بئر. حجر آخر يسقط فيها، فتتطاير الماء إلى الأعلى وتبلّل وجهي. ماء عذبة. عميقة وعذبة.. رائحتها طيبة، وحين لامست وجهي شعرت بمدى صفائها. فكرت في أنّ معنى هذا هو حياة، ترحاب، ولادة من جديد. إنّها ماء متميزة، شعرت بالحاجة في استنشاق الهواء بعمق أكثر. لم أرغب في أن تنتهي اللحظة. الماء، الهواء، التراب، كلها تحمل فيها القصص، وكنّا الأربعة هنا جزءًا من المشهد الطبيعي. كوّمنا الحجارة مجدّدًا واتصلت بأهلي ثانية. أجرينا عدة اتصالات، بعضها حمل أجوبة ومزاحًا، وبعضها حمل دموعًا، ذكريات وآمالاً. بكت أمّي على الهاتف. كانت فخورة بأنّني، ابنتها البكر، هي أوّل من يزور قولة من العائلة، مثلما كانت هي آخر من ولد فيها.  

كانت هناك أسئلة أخرى عن موقع بيت جدّي وجدّتي. أية معالم طريق كانت أيضًا؟ إيتان وعمر حثّاني على السؤال عن بنايات كبيرة، أشجار واتجاهات، وقام مايك بتصوير زيارتنا بالفيديو. سرنا من البئر في الدرب الصاعدة، وعثرنا على بقايا مبنى كبير يبدو أنه كان الجدار الأخير الباقي في حصن. أكد أبي أن هذا كان حصنًا عثمانيًا أو صليبيًا، وتابعنا من هناك إلى بقايا معالم أخرى. في هذه النقطة حدثني أبي عن مجزرة لم أسمع بها حتى هذه اللحظة. عرفت كطفلة قصّة أمي الرضيعة عام 1948: فحين هربوا من قولة أبقاها أهلها (جدّي وجدّتي) في الساحة. قال جدّي إنه لن يمسّ الطفلة أحد، ولم يصدّق أنها ستصمد على قيد الحياة في المسيرة الصعبة التي خرجوا إليها حفاظًا على حياتهم. في نهاية الأمر لم يتمكّن من تركها، وعاد ليأخذها معهم.

أنا أذكر هذه القصة، هذا الواقع، لأنني اعتقدت دائما أنه استنادًا إلى ما قام به جدي في ذلك اليوم، كان يمكن أن أكبر بهوية مختلفة تمامًا. لكن القصة الأخرى التي رواها لي أبي في 12 تمّوز 2008 جعلتني أفهم أنه كان هناك احتمال آخر لقصة حياتي وحياة والدتي: كان بالإمكان ألا أولد أبدًا. قال أبي أنّ القرية هوجمت لأنه كان فيها موقع مقاومة. كان هذا بيت المقاوم الفلسطيني حسن سلامة (من العام 1948)، ولذلك فقد عانت القرية من عقوبات وتخريب هائلين. حين هرب الأهالي ظل عدد من المسنين غير القادرين على المشي في الخلف. حين عاد عدد من الأهالي إلى القرية بعد بضعة أيام، عثروا على جثثهم محروقة. هنا، تغيّر صوت والدي وقال "كفى، لا أريد الحديث أكثر". والدي شخص قادر على تجاوز المصاعب لكن الانفعال والدموع كانا واضحين في صوته. حين رويت لإيتان، عمر ومايك ما قاله أبي حلّ صمت تام، وبعض الحديث عن "محروقة". قال أحدهم أنه كان من المهم أن أكون اليوم في قولة من أجل أبي كي يتمكّن من المكاشفة بالذكرى الأليمة، وقد كان على حقّ.  

على الرغم من طلبه "عدم التحدّث عن هذا أكثر"، كان عليّ أن أتصل بوالدي ثانية حين وجدنا بقايا المسجد. دهان أزرق على جدرانه الداخلية وقد تمكّنت من رؤية طرف الجدران والمحراب فقط. البقايا ذكرتني بمنظر مبنى كبير، محرابين بالأحرى. إلى جانبهما ديوان. وما أثار ذهولي في البقايا هو أن الدمار يظهر كفعل مقصود تمامًا، من صنع بشر، لم يبدو طبيعيًا بالمرّة، وهو ما أثار فيّ ألمًا كبيرًا..

محادثة أخرى مع أبو إياس (والدي). استشار أحد الأعمام الذي يكبر والدتي سنًا ويعرف عن البيت. وجهنا باتجاه الجنوب الشرقي للقرية بحثًا عن بقايا باطون، شجرة مميزة وشجيرات صبار. قيل لنا إن بيت جدتي وجدي يفترض أن يكون الأخير أو قبل الأخير في ذلك الاتجاه. اصطدمنا بمبنى من الحجر يبدو قديمًا فعلا. كان محفورًا في الأرض ويبدو مثل مكان لتخزين القمح وما شابه. اتصلت ثانية بوالدي فانفعل. قال إنّ بيت جدّي وجدّتي على بعد 10 أمتار من هناك، وأنهم استعملوا هذا المبنى المحفور لتخزين اللحم والغلال. إلى اليمين رأيت كومة من بقايا بيت قد دُمّر، مثل كل شيء في قولة.

لست متأكّدة ممّا حدث فور ذلك، لكنني نظرت إلى إيتان وقلت له ما قاله أبي بالضبط عن هذا المبنى الحجري وعن البيت؛ وسمعت إيتان كأنه يقول لي من بعيد "والدتك ولدت هنا، هذا هو البيت الذي ولدت فيه". وعندها رأيت هذا. أعرف أن الجميع منفعلون، قلبي ملؤه الانفعال، ويتفتت إلى شظايا في الوقت نفسه. أريد فقط ملامسة كل قطعة وقطعة من هذه البقايا.

أشغل نفسي بالنبش في الحجارة والتراب. دموع؟ لا أذكر. نحن نجلس بصمت، مايك يبتعد، عمر ينظر في الموقع المجاور وأنا أنظر في الغبار. اكتشف قطعة مسننًة لحجر في شبّاك، وأجمع القليل من الأوراق والتراب. أشعر بالامتنان والشكر الحقيقيّ لإيتان منذ اللحظة التي مكنتني كلماته فيها من القول إن والدتي من قولة وحتى هذه اللحظة التي أجلس فيها قرب بقايا بيتها. لقد جعل هذه الزيارة ممكنة، ومن غير مساعدته كانت قولة ستظل حلمًا محظورًا. أعانقه وأقول له هذا، فيجيب "أخشى أنني مدين لك أكثر". كلماته كانت ولا تزال تدفعني للبكاء.. ستظلّ محفورة في ذاكرتي إلى الأبد، لأنّه لو بقينا مصرّين على عيش يقصي الآخر إلى الهامش، فسنواصل دفع هذه الواجبات إلى الأبد أو أن نحياها، وكلتا الإمكانيتين ليست طريقة جيدة للعيش أو الوجود. تمّ الاعتراف الآن بتاريخي وألمي، وهذا عبء شعوري حقًا. 

أفكّر بجدّي الذي كان لديه حلم – أن يُدفن في قولة، لكن هذا مستحيل التحقق. أتألم من أجله.. إيتان وعمر يسألانني إذا كنت أرغب في كتابة اسم أمّي أو جدّتي أو جدّي. لم أكن مستعدة (وكيف سيعدّ المرء نفسه لأمر كهذا؟)، كان بحوزتي قلم فقط وهكذا كتبت بالعربية اسمي جدتي وجدي على حجر باقٍ من بيتهما.

أتجول، أحمل القليل من التراب بين أصابعي، عددًا من الحجارة، أتنشّق الهواء مرةً أخرى، هناك رائحة طيّبة فعلا لخضرة يانعة، صبر، حجارة وتراب. أعبّ الهواء، لم أتمكّن من الاكتفاء برائحة الهواء، التراب، استنشقت واستنشقت..

ذكريات والدي كطفل في العاشرة تذهلني؛ كأن خريطة القرية مطبوعة في ذهني، في الذكريات، في الكينونة. ولكن بعد كل شيء تبقى ذكريات طفل في العاشرة من عمره عايش النكبة، وهي ذكريات من شأنها أن تكون قوية جدًّا.

كنّا مضطرين للمغادرة، سرنا وعيوننا على ما بقي من القرية، نبتلعها بأنظارنا، عدد من حجارة البيوت مستخدمة اليوم كإشارات تكريم لمتبرّعي الصندوق القومي الإسرائيلي. قطف عمر عددًا من ثمار الخروب الفلسطينية وتذوّقناها جميعًا ثمّ ذهبنا إلى السيارة. كنّا نعرف أن كلا منّا ترك وراءه قسمًا منه.

إيتان أنزلنا، أنا ومايك، في المحطة المركزية كي نسافر إلى القدس. كان الصمت رفيقنا خلال السفر. واضح أننا مشغولون بأفكارنا وبما مر علينا. الأمر الوحيد الذي رغبت فيه حين عدنا هو أن أكون وحدي. حين رأينا مليسا، عانقتني، وروى مايك لها القصة حين غادرت إلى غرفتي. بعد ذلك سمعت أيضًا أنه بكى. نعود جميعًا إلى غرفنا، فاليوم التالي حافل بالعمل. كان نومي تلك الليلة متقطعًا وغريبًا. بين الحلم واليقظة كنت أشعر كأنّني مشيت ليلة بأكملها. شعرت أني مشيت كل ما مشاه كل شخص هرب من قولة في ذلك اليوم التاريخي. كأنني مشيت لأجل كل واحد منهم كيلومترات طويلة. اختنق بالدمع حين أتذكر ذلك الشعور. قمت في صباح اليوم التالي متعبة وعطشى ولكن ليس لقلّة النوم – لقد سار جزء مني حقًا في تلك المسيرة.

استغرق الأمر وقتًا كي أشارك آخرين في القصة، كان فيها جزء شخصيّ لم أكن أعتقد أن الآخرين سيفهمونه أو سيريدون معرفته. إيتان نظّم لي لقاءين مع صحفيين، أحدهما من موقع الجزيرة-نت (وديع عواودة) والثاني من موقع معريف-nrg (إيتمار عنباري). كتب وديع عواودة وصفًا مؤثًرًا عن الزيارة وهو معنيّ بالكتابة أكثر عن قولة. أنا بحاجة إلى اشخاص آخرين يتذكّرون السلاسل الحجرية والحياة هناك. وجدت عمًا كبيرًا في السن حدّثني عن زيارة معينة إلى قولة وعن الضيافة فيها. طلبت من أهلي استعادة الخارطة، أريد ربط أخي مع ذاكرات. الكثير الكثير من الأفكار. اقرأ التعقيبات في موقع الجزيرة وأنفعل. يتضح أن القصة لامست عصبًا عميقًا للعديد من الفلسطينيين في الشتات، وأحاول ترجمة تعقيباتهم لعدد من زملائي.

خلال المقابلة الهاتفية مع معريف - nrg سألني إيتمار عنباري: "هل تفاجأت من أن يهوديًا اسرائيليًا ساعدك في العثور على قرية والدتك؟". سؤال قويّ. اتصل بإيتان حين أعود إلى الولايات المتحدة، وهو يترجم لي التعقيبات من العبرية. كنت مهتمة، بتردّد وخشية ما، بسماع ما يقوله الجمهور المتحدث بالعبرية، لأنّ معنى ذلك كان مواجهة أخرى مع ما شعر به شخص ما ردًا على قصّتي؛ ربما سأضطر مرة أخرى إلى إخفاء الحقيقة أو أن أعيشها على المستوى الداخلي. من المحزن أن اللهجة هناك كانت سلبية بمعظمها. ولكن لهذا السبب بالذات من المهم جدًا ما تقوم به ذاكرات. حين أفكّر بهذا، لربّما أنني اتصلت بإيتان في اليوم نفسه لأنني أردت الحفاظ على ذكرى زيارة قولة بشكل حيّ.

في محادثة لاحقة تحدّثت مع إيتان عن السؤال الأول الذي وجّهه إليّ "أنت ذاهبة لزيارتها؟" (قولة)، ونتعرّف أكثر على القوة الكامنة في هذه اللحظة. يتذكّر بوضوح سؤاله وجوابي، وحين تحدّثنا عن هذا صرنا واعين أكثر لعمق التجربة. قبل سؤال إيتان، حين قلت إن أمّي ولدت في قولة، كان واضحًا ومفهومًا ضمنًا بأنّني سأحاول الوصول إلى هناك. بالنسبة إليّ لم يكن هذا الأمر واضحًا ولا في متناول اليد. الربط بين الحلم والواقع وخصوصًا الوقوف وجهًا لوجه مقابل هذا الواقع، كان صعبًا، إن لم يكن مستحيلا في حينه، وهذا بفعل الشكل الذي نعيش به حياتنا في هذا الوضع. على الرغم من أنه كانت لديّ دائمًا "رغبة محظورة" وحاجة غير مفهومة لأن أكون هناك، لأزور وأرى، فلا يزال هناك أيضًا الرقيب الذاتي الذي يظهر بمجرّد محاولة فهم العالم.

نعم، مرّة أخرى أشعر بأنّني مهجّرة وأحنّ إلى البيت! فبطريقة مميّزة ما، ظلّت الزيارة وقولة معي بشكل يومي، تحت سطح الطبيعية والروتين بالضبط. إنهما يمنحاني استلهامًا ودافعية ولا أزال أجد نفسي هناك أحيانًا، إلى جانب البئر، إلى جانب شجيرات الصبّار، إلى جانب بيت أمّي ووالديها، أصغي للأصوات وأحاول ببساطة أن أكون هناك.. كم أحنّ إلى استنشاق الهواء هناك وملامسة الحجارة مرّةً أخرى.

حين قرأت التعقيبات على المقال في الجزيرة-نت أذهلني كيف أن هذه التجربة الشخصية في عيون العديد من الفلسطينيين تردّد صدى أحلامهم وذكرياتهم، وكيف ارتبطت بهم على مستوى عميق من الوعي. فالربط على مستوى اللاوعي مع شعور البيت، قداسته، جذوره، موقع التجربة – كلها بلا حدود، لا عرقية ولا غيرها. ذكريات أجدادي مرتبطة بي، بالضبط مثلما أقرأ في تعقيبات العديد من المهجرين مثلي في جميع أرجاء العالم. أو لربما أنه مثلما تتحدّث صديقتي ديبي عن نبتة المرّار، وعن ارتباطها وحنينها إلى المشهد الطبيعي لطفولتها – الهواء، الماء، الأشجار والتربة في قولة تناديني. إحدى الصديقات التي سمعت عن زيارتي إلى قولة، طلبت مني طلبًا خاصًا: أن أحضر لها ورقة يابسة من قولة، ليس كتذكار، بل كتجسّد روحيّ غنيّ للمكان وتاريخه.

ومرة أخرى في الولايات المتحدة، أتصل بصديقتي القريبة موران، يهودية إسرائيلية التقيت أهلها عشية زيارة قولة، لأشاركها مشاعري وأفكاري. أرسل لها التقارير وعددًا من الصور. نتحدث عن دروبنا المتقاطعة وعن معنى اللقاءات بيننا. أرغب في أن نعود معًا لزيارة قولة. لقد عملنا موران وأنا في مجالات السلام والعدالة الاجتماعية قبل أن تغادر إلى آيدهو. أحد مشاريعنا الأخيرة كان دعوة صديق من مجموعة "حاخامات لحقوق الإنسان" ليتحدّث في أمسية في آيدهو. أذكّرها أنه في آخر يوم قضيته في القدس التقيت أحد أعضاء المجموعة ممّن كان على علاقة بالمتحدّث لدينا، وحدّثته عن زيارتي إلى قولة. نتحدّث ونحن على علم بأنّ عملنا المشترك لم ينته بعد. هناك فصل ينتظرنا لنعمل عليه.. أؤكد أنني سأرسل لها اسم ابنتها بالعربية وأعرف أننا سنعود للحديث عن قولة.

هذا الخريف، مرة أخرى في الولايات المتحدة، ألتقي مليسا ومايك في سوق الفلاحين المحلّي هنا، نتحدّث عن الفيلم الوثائقي حول الشهر الذي قضيناه في إسرائيل وفلسطين. الاثنان يتحدثان عن قولة والعمل على المعلومات التي جمعناها يتقدّم. قريبًا سنتحدّث في عدد من المؤتمرات عن جهود السلام والمصالحة التي رأيناها ونقدّمها لمجتمعاتنا المحلية هنا من أجل إثارة الإيحاء، الدعم، المعرفة والتذكّر. لكن بالنسبة لي، هناك الكثير غير ذلك. هناك عميقًا في قلبي يوجد مكان أعرف أنني سأعود إليه وأقوم فيه بشيء إضافيّ، وفوق هذا، هناك أشخاص متميّزون تحوّلوا إلى أصدقاء للأبد. أعرف الآن أنّ هذه القصّة، هذا العهد، هذا الدرب لا تنتهي، لا يفترض أن تنتهي ولن تنتهي هنا...

 

رلى
آب 2008

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية