ذاكرات بلد الشيخ
11/2012
غلاف كتيب بلد الشيخ

 

مقدمة

في هذا الكتيب المتواضع نحاول أن نسلط الضوء على واحدة من القرى الفلسطينية الكبيرة والتي شهدت أحداثاً مؤلمة قبيل تهجيرها نهائياً في نيسان 1948. كانت المجزرة الانتقامية التي نفذها تنظيم "الهجناه" ليلة رأس السنة الميلادية عام 1948 ذات أثر كبير على ترهيب وترحيل المواطنين. ويشهد حتى المهاجمون أنفسهم على مدى قساوة ذلك الفعل. في هذا الكتيب اقتبسنا مقاطع من شهادات مقاتلين من كتيبة هبلماح عما حصل في بلد الشيخ في تلك الليلة. كما يحوي الكتيب شهادات وذكريات فلسطينيين عايشوا بداية النكبة والحياة في بلد الشيخ قبل احتلالها.

تشير الوثائق والخرائط والشهادات إلى مركزية هذه القرية من حيث موقعها الجغرافي، وعدد سكانها، ومكانتها الاقتصادية والسياسية في فلسطين. فسكنها بالإضافة إلى أهلها الأصليين آلاف العمال من جميع أنحاء البلاد، وربطتها سكة الحديد وخطوط الباصات مع المدن المركزية في الشمال، وأشهرَها الشيخ عز الدين القسام بسقوطه ودفنه فيها.

نصبو من خلال هذه المادة أن نعرّف القراء بتاريخ القرية كجزء من نكبة فلسطين وننادي إلى تحقيق العدالة للاجئين من خلال تنفيذ حقهم في عودتهم إلى وطنهم. ترى جمعية زوخروت أن عودة اللاجئين هي حق إنساني وضرورة سياسية في الطريق إلى تحقيق حياة مدنية مطمئنة في البلاد لجميع سكانها.  

"ذاكرات بلد الشيخ" هو الكتيب رقم 55 في سلسلة الكتيبات التي تصدرها "زوخروت" عن القرى والبلدات المنكوبة في هذه البلاد، وقد صدر قبله كتيبات عن المواقع التالية: ياجور، البصّة، الطيرة / حيفا، صمـّيل الخليل، المنشية / عكا، معلول، طبرية، عاقر، البروة، خبيزة، كفر سبت، القبو، عيلبون، إقرث، كفر بـِرعِم، المنشية – يافا، الغبـَيـَات، سبلان، العراقيب، كفر عنان، الدامون، مسكة، السُّميرية، سمسم، الراس الأحمر، عين كارم، عجور، كويكات، أم برج، خربة اللوز، الشيخ مونـّس، المالحة، العجمي في يافا، عمواس يالو وبيت نوبا، حطين، الكفرين، الشجرة، ترشيحا، بئر السبع، جليل، اللجون، سحماتا، الجولان، اسدود والمجدل، خربة جلمة، الرملة، اللد، عكا، حيفا، عين المنسي، الحرم (سيدنا علي)، عين غزال، لفتا ودير ياسين.

زوخروت (ذاكرات)
كانون أول 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

بلد الشيخ

كانت القرية تقع في سهل حيفا، جنوب شرق المدينة على بعد 6 كيلو مترات عنها. وكان طريق حيفا- جنين العام يمر شرقيها، ومثله خط سكة حديد حيفا- سمخ الذي كان يبعد عنها نحو نصف كيلومتر. وكان ثمة مدرج للطائرات في الطرف الشمالي من أراضي القرية، على بعد نحو كيلومترين من القرية ذاتها. وقد سُمّيت بلد الشيخ نسبة إلى الشيخ الصوفي الشهير عبد اللّه السهلي، الذي أقطعه إياها السلطان العثماني سليم الأول، الذي حكم من سنة 1512 إلى سنة 1520. 

في سنة 1859، زار إدوارد روجرز (Edward Rogers)، نائب القنصل البريطاني في حيفا، بلد الشيخ وذكر أن سكانها يبلغ عددهم 350 نسمة. وقدر غيران (Guerin) وهو رحالة آخر، عدد سكانها بنحو 500 نسمة في سنة 1875؛ ورأى فيها أشجار الزيتون والنخيل وعدداً من الينابيع في جوار القرية.
في سنة 1945، سكن في بلد الشيخ 4120 شخصاً وكانت ثانية كبرى القرى في قضاء حيفا، بعد الطيرة. وكان للقرية شكل مستطيل، ومنازلها متقاربة ومبنية في معظمها بالحجارة والأسمنت. وكان في القرية عدد من المقاهي، ومحطتان للوقود تقعان على طريق حيفا- جنين العام. وقد أُقيمت فيها مدرسة ابتدائية سنة 1887، في العهد العثماني. وكان فيها عام 1948 ثلاث مدارس. وقد أسست عام 1934 قرب القرية وعلى أراضيها مقبرة تابعة لحيفا، وفيها دفن الشيخ عز الدين القسّام.

كان اقتصاد القرية يعتمد، في الغالب، على الزراعة وتربية المواشي. وكان الزيتون والحبوب والفاكهة أهم المحاصيل الزراعية. وكان فيها معصرة زيتون يدوية. في 1944/1945، كان ما مجموعه 4410 من الدونمات مخصصاً للحبوب، و368 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين. وكان عدد من سكان القرية يعمل في حيفا كموظفين وفي المصانع. وفي فترة الانتداب، استأجر بعض المستثمرين الصهيونيين قسماً من الأرض بنوا عليه معملاً للأسمنت، وسوى ذلك من الأبنية التي أصبحت فيما بعد مستعمرة نيشر. وإلى الشمال من القرية كان مقام الشيخ عبد الله السهلي، وإلى جواره خان، يعود في أرجح الظن إلى الفترة المملوكية، وقد عُثر هناك على معصرة حجرية للعنب، وعلى بعض الأحواض التي يقال إنها تعود إلى العصر البيزنطي. 

 

احتلال بلد الشيخ

ارتكبت الهجناه مجزرة في بلد الشيخ في 31 كانون الأول/ ديسمبر 1947. وجاء في كتاب "تاريخ الهجناه" أن قوة قوامها 170 رجلاً من البلماح أُمرت "بتطويق القرية، وإلحاق الأذى بأكبر عدد ممكن من الرجال، وتخريب الممتلكات، والإحجام عن التعرض للنساء والأولاد". وقد خلّف المهاجمون أكثر من 60 قتيلاً؛ منهم نساء وأطفال. وجاء في تقرير وضعته القوة المهاجمة بعد تلك "العملية" أنه "بسبب نيران أُطلقت من داخل الغرف، كان من المستحيل تجنب إلحاق الأذى أيضاً بالنساء والأطفال". وقد دُمّر في أثناء هذا الهجوم عشرات المنازل. بعد هذه المجزرة، أُخليت القرية جزئياً في 7 كانون الثاني/ يناير 1948، ولم تحتلها القوات الصهيونية إلاّ في نهاية نيسان/أبريل 1948. وكانت هذه المجزرة ثأراً لمقتل عمال يهود في مصفاة النفط في اليوم السابق؛ وقيل حينها إن عمالاً فلسطينيين من القرية قاموا بذلك رداً على قنبلة فجرتها عصابة الإرغون (إيتسل) عند أبواب مصفاة النفط في حيفا، قُتل جرّاءها 6 عمّال فلسطينيين وجرح 42، وذلك استناداً إلى صحيفة "فلسطين". وجاء في الصحيفة أن الضحايا الفلسطينيين سقطوا نتيجة إلقاء قنبلة من سيارة كانت تمر بالمكان مسرعة، بينما كان العمال يقفون في صفّ الاستخدام خارج المصفاة. وانتقاماً لهذا الهجوم انقضّ العمال الفلسطينيون على العمال اليهود فقتلوا 41 منهم. 

وكانت خطة "د" تقضي بأن يحتل لواء كرملي بلد الشيخ، في عملية احتلال حيفا ذاتها. وبسقوط حيفا في 22 نيسان/أبريل، أُجلي عدد من نساء القرية وأطفالها إلى أماكن آمنة، تحسباً لهجوم قد يُشن. عند فجر 24 نيسان/أبريل، حاصرت وحدات من الهجناه القرية وطلبت من السكان تسليم أسلحتهم، فسلّم سكان القرية 22 بندقية وطلبوا هدنة، غير أن الهجناه رفضت ذلك الطلب وهددت بالهجوم إذا لم يُسلّم باقي الأسلحة. وعند الساعة الخامسة صباحاً، فتحت الهجناه النار من مدافع الهاون والمدافع الرشاشة. وجاء في تقرير لوحدة بريطانية وصلت إلى المكان في الساعة السادسة صباحاً، أنه لم يصدر عن القرية أي رد تقريباً على إطلاق النار. ثم رتّب البريطانيون هدنة تقضي بإخلاء القرية من سكانها، وفي جملتهم النساء والأطفال، وذلك تحت حماية بريطانية. ويبدو، بحسب قول موريس، أن بعض السكان اتجه صوب عكا، ثم فرّ منها بعد أيام قليلة، عندما انتاب الذعر المدينة تحسباً لهجوم جديد تقوم به الهجناه.

وفي مقابلة مع إيال سيفان، في 23.7.2012، يقول يرحميئل كهنوفيتش (1929)، أحد عناصر البلماح الذين هاجموا بلد الشيخ: 

.... إلى داخل البيوت دخلنا في مكان واحد فقط، بلد الشيخ قرب ياجور. هناك كان ذلك فعلاً فتاكاً ... وكل ذلك. قال لنا اذهبوا إلى هناك مع بلطات (فؤوس).

من قال ذلك؟

فقط شخص واحد يمكن أن يقول. يجئال ألون. وأعتقد أنه لم يكن سوء تفاهم بينه وبين بن جوريون، لم يكن. " اذهبوا إلى هناك مع فؤوس. لينصرفوا من هناك، ولا يبق هناك أي أثر، مهما يكن عددنا لن نستعمل الرصاص حتى لا يذهبوا إلى الشرطة [البريطانية] ويختبئوا فيها"

وماذا فعلتم؟ 

حطمنا الباب ورمينا قنبلة.

في بلد الشيخ؟

وفعلاً لم تنهض ثانية. غير موجودة.

ماذا كانت عملية المكنسة? تنتظمون في صفوف وببساطة ...

نعم. نتقدم ونصل قرية، نطردها، نجتمع بعدها، نشرب، نأكل قليلاً، ونتجه للقرية التالية.

 

القرية اليوم

استوطن المهاجرون الصهيونيون القرية في سنة 1949، وأطلقوا عليها اسم تل حنان؛ على اسم حنان زلينجر أحد عناصر الهجناه الذي قتل خلال الهجوم على القرية وتنفيذ المجزرة في 1.1.1948، ومنذ عام 1952 أصبح موقع القرية وحي تل حنان جزءاً من مدينة نيشر.

لم يبق الكثير من بيوت القرية الفلسطينية، فقد هدمتها الدولة الإسرائيلية إلا ما ندر. بيتان لعائلة السهلي – كما يقول شهود عاشوا في القرية حتى 1948 – موجودان اليوم في شارع الراب موحا وكلا المنزلين يستعمل ككنيس يهودي. أما في الحارة الغربية فيمكن رؤية منزل واحد كامل وآخر مهدوم جزئياً وعلى سفح التل الكثير من أطلال البيوت المهدمة بين نبات الصبار. وكما ذكرنا مقبرة القسام ما زالت موجودة قرب القرية – ويقام قرب المقبرة في هذه الأيام ملعب كرة قدم لمدينة نيشر، أما مقبرة آل السهلي فتقع شمالي القرية وهي محاطة بسور ومحافظ عليها نسبياً وتقع بين مبان سكنية إسرائيلية وخلف مدرسة ابتدائية.   

تحرير وكتابة: عمر الغباري

زوخروت (ذاكرات) في الشبكات الإجتماعية